وقفات مع ابن قطب.

 
 
 
 


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


 
- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

القول في حقيقة "قطب" وكتبه لمن أراد النجاة لنفسه وحقيقة الطبعات التي أقرها في أواخر حياته، وهل تبرأ وسلم من جميع الكفريات التي تلبس بها أو تلك الكفريات المتعددة المنتشرة المتفشية في مجتمعه من قرون؟!
- فهذا الرجل قد فتن به الناس وهونوا بعض كفرياته أو أعرضوا وكابروا بإنكارها لأجل إصابته في تقرير كفر التشريع وما يتعلق به ولأجل حكمه بالكفر على من شاع بينهم ذلك دون نكير منهم.

واعلم أخي الموحد أن إعذار وعدم تكفير من وقع في مسألة واحدة فقط من الكفر كالقول "بخلق القرآن" يكفر به "العاذر" بإجماع السلف وهذا مندرج في -إرجاء الجهمية-.
 
* فكيف بمن تجاوز ذلك الإعذار بوصف من كفر من وقع في مثل ذلك بالغالي؟!
 
فهذا أشد كفرا وتجهما.

- وإذا كان مجرد توقير صاحب "البدعة" من الضلال ومن الإعانة على هدم الإسلام كما جاء عن بعض السلف.
 
← قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «من عظّم صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله -عز وجل- على محمد ﷺ، ومن زوّج كريمته من مبتدع فقد قطـع رحمهـا، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع».{شرح السنّة للإمام البربهاري |ص 139}.
 
* فكيف بهذا الذاب المنافح الطاعن في أهل التوحيد لأجل بعض الجهمية والمرتدين والكفار؟!
 
- وإذا كان السلف ألحقوا المصاحب بأخدانه وإن أظهر خلافهم في المعتقد.
 
← قال أبو داود السجستاني: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: أرى رجلاً من أهل السنَّة مع رجل من أهل البدع، أترك كلامه؟، قال: «لا، أو تُعْلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة؛ فإن ترك كلامه؛ فكلمه، و إلا فألحقه به؛ قال ابن مسعود: "المرء بخدنه". {طبقات الحنابلة | 1/260 رقم 216}.
 
* فكيف بهذا؟!

• ومن عظيم البلاء والفتنة أن ينصر الشريعة في بعض المسائل أهل الأهواء والضلال، وجاء في البخاري قوله ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ».{كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ |بَابٌ : إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ}.
 
”والمسألة بشأن قطب ليست والله للمغالبة والانتصار للرأي والنفس، والأمر دين وتعبد لله وفيها النجاة أو الهلاك (والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل)، والرجوع للحق قربة وفضيلة وحزم وقوة شخصية، ووالله إنا لا نستطيل بذلك على أحد فكلنا كنا مرجئة جهمية في سنوات خلت -غفر الله لنا وثبتنا على السنة حتى نلقاه-“

▪ وحقيقة "قطب" باختصار كالتالي:
 
1- كفرياته ظاهرة في طبعاته التي أقرها من كتبه بعد تراجعه الأخير وما أوصى به "أخاه".
 
2- لم يحقق ما شرطه الله في توبة من وقع في تحريف الدين وإشاعة ما يضاده وإضلال الناس بما نشره من ضلال؛ قال الله تعالىٰ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾{البقرة |160}.
 
وهذا مالم يحققه "قطب" تماما وكتبه وطبعاته ووصيته شاهدة بذلك، والإصلاح والبيان له حقيقة شرعية وعرفية، وليس مجرد دعوى أو كلمة تقال.

3- قاعدة تكفير جميع أعيان القوم والطوائف المتلبسة بعدة كفريات متنوعة مختلفة (والتي شاع وذاع وتفشى فيها ذلك وكان هو الأصل والغالب) لا يستثنى منها أحد من التكفير مهما بلغ من العلم والمنزلة إلا من ثبت يقينا (وليس ظنا وقياسا، تنبه لهذا الشرط ليس ظنا وقياسا!) أنه قد تحقق فيه أمران:

- الأول: البراءة من كل هذه "الكفريات" جميعا والتصريح بمخالفة قومه فيها ويشترط هنا التصريح باعتقاد أنها من الكفر الأكبر وليس من الضلال الذي دون الكفر كما هو مشهور مذاع منتشر بين كثير من المرجئة الجهمية وهذا متفش في أهل مصر وغيرهم.
 
وبذلك يتبين عدم ثبوت الاستثناء من التكفير لمن تحقق منه ما تقدم في بعض كفريات طائفته وقومه فالشرط جميع وليس بعض.

- ثانيا: ويجب أن يثبت عنه -يقينا وليس قياسا- حكمه على أعيان من تلبسوا بها بالكفر وأنه لا يصح لهم إسلام وتوحيد،وقد انتشر من قرون في "مصر" وغيرها:
 
← عدم تسمية "دعاء الأموات" بالشرك الأكبر بل سموه بغير اسمه حيث أدرجوه في "التوسل" وعمدتهم في ذلك ماقرره علماء الشرك والتجهم "كالهيتمي" وغيره وبعضهم وصفه بأنه خلاف الأولى وليس من الشرك الأكبر!

← وقد انتشر فيهم وتفشى عدم تسمية عدم إثبات "علو الله" وارتفاعه وفوقيته بالكفر الأكبر،حتى بين من وصف ذلك بالخطأ أو أنها مسألة خلافية مع أنها من "أصل الدين" والتوحيد الذي يكفر به من لا يعرف أين ربه وإلاهه قبل الخبر وبعده، كما دل عليه حديث الجارية في مسلم الناص على أن معرفة "علو الله وفوقيته" شرط للحكم بإسلام العبد وإيمانه بالله ومعرفته به!
 
← أَخَرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (537)، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ قَالَ: «...قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: "ائْتِنِي بِهَافَأَتَيْتُهُ بِهَا. فَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ اللَّهُ؟" قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ. قَالَ: "مَنْ أَنَا؟" قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: "أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ».
 
وإذا كنا لا نستطيع إثبات مخالفة "قطب" لقومه في تلك الكفريات المتعددة -بوصفها بذاتها بالكفر الأكبر-.
 
* فكيف نستطيع إثبات نجاته وسلامته من الكفر الآخر المترتب على ذلك (وهو متفش في أهل مصر وغيرهم من قرون) وهو إعذاره وعدم تكفيره لأعيان الجهال المتلبسين "بعبادة القبور" وأعيان المتلبسين بكفريات الأشاعرة "كعدم إثبات العلو"؟!

”فمن كفر قومه لأجل بعض الكفريات لا يخرج من وجوب تعميم التكفير عليه وعلى قومه حتى يثبت لنا (يقينا وليس قياسا) أنه تبرأ من جميع كفرياتهم الأخرى ووصفها بالكفر الأكبر وثبت تكفيره لأعيان من تلبس بها أيضا، ويتأكد هذا إذا كانت هذه الكفريات متفشية متجذرة في مناهج واعتقادات قومه،والأصل والغالب في المنسوبين لهذه الشعوب (ولا سيما من ينسب منهم للعلم والأدب والثقافة في مصر وغيرها) تلبسهم بهذه الكفريات المتجذرة فيهم فمن نجى وسلم من بعضها لم يسلم من سواها من الكفريات، وهذا ظاهر جلي إلا لمن طمس الله بصيرته بالعناد والمكابرة والإعراض، فكم رأينا من يكفر قومه لأجل تفشي وتجذر كفريات التشريع ولكنه لا يكفرهم لعدم إثبات العلو أو عبادة القبور وهؤلاء كثير ممن هم أعلم من قطب“
 
* فكيف يتوهم ويتخيل نجاة "قطب" من ذلك، مع ذيوع وانتشار ذلك الكفر بين قومه؟!
 
- وقد رأينا أيضا بعض الجهمية من أدعياء التوحيد من يكفر عباد القبور ولكنه لا يكفرهم بكفريات التشريع، بل ويجيز البرلمانات الشركية للمصلحة والضرورة مع أن الكفر لا مواقعته إلا بإكراه حقيقي مع طمأنينة القلب.

فمن كفر شعب إيران بتفشي عبادة القبور بينهم وحكمهم بإعذار من فعل ذلك ولكن هذا المكفر لهم من بين قوم شاع بينهم عدم التكفير بشرك التشريع والبرلمانات، فهذا مع تكفيره لهم لم تثبت براءته من قومه، ولا يثبت إسلامه إلا مرجئ جهمي وكذلك الحال إذا قلبنا الصورة والمثال.
 
4)- وقد شاع وتأصل لدى هذه الطوائف والأقوام من قرون كفر المرجئة الجهمية وهو الإعذار وعدم التكفير لمن تلبس بكفريات الأشاعرة حتى ممن خالفهم:
 
← كعدم تكفير أعيان من لم يثبت علو الفوقية والارتفاع.
 
←وعدم تكفير أعيان ؤالجهال من عباد القبور.
 
← وعدم تكفير أعيان جهال الرافضة وغيرهم.
 
وهذا ظاهر متفش في المنسوبين للعلم والأدب والثقافة أكثر من ظهوره لدى العوام في مصر وغيرها.
 
* فهل ثبتت براءة قطب من هذه الكفريات بذاتها وتكفير أصحابها؟!
 
* وهذه المحاور الأربع لو سلمنا أنه خرج من واحدة منها، فكيف بإثبات خروجه من غيرها؟!
 
- ففيم العناد والمكابرة وقد سئل ابن المبارك: من شَرُّ النَّاسِ؟ قال: «شَرُّ النَّاسِ مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ».

• فيا خيبة المسعى، نعوذ بالله من الخذلان وقلة التوفيق، ولا ينقضي عجبي من بعض الجهمية من أدعياء التوحيد ممن يكفر الشعوب باشتراط ثبوت براءتهم تفصيلا من جميع كفريات قومهم وتكفيرهم بها جميعا، ثم يرتكس وينكس على رأسه فيحكم بإسلام قطب مع أن قطبا لم يكفر قومه إلا بشرك التشريع وما يلتحق به، ولم يثبت تكفيره وبراءته من غيرها من الكفريات.

- وعلى ذلك فقطب هذا قد فتن به الكثير وتعلقوا به وباعوا توحيدهم وإسلامهم لأجل تقديسه وحبه والذب عنه، مع علمهم بكفرياته وضلالاته وعدم تحقق تراجعه وشروط توبته منها البيان والإصلاح!
 
- ووالله، لقد حاورت بشأن "قطب" هذا اثنين ممن يحسبون على أهل العلم والدعوة أحدهم أستاذ جامعي والآخر مفتي (وهؤلاء من التيار السلفي من السرورية -كما يسمونهم-) فما كان منهما أثناء إمعانهما في الذب والدفاع عن "قطب" إلا أن فلتت منهما كلمات طعن في بعض الصحابة -رضي الله عنهم- ثم استدركا واستغفرا وتراجعا عن ذلك، وهذه بعض عقوبات وخذلان من ذب عن أهل الضلال عنادا وإعراضا.
 
وهذا يدلك على عظيم الفتنة به وأن قلوب المرجئة الجهمية قد أشربت بذلك كما أشربت بعض قلوب بني إسرائل بالعجل (بجامع الكفر للفريقين مع أن الكفر دركات) والتكفير لمن علم بكفرياته أو أعرض عن سماع حجج تكفيره لأن الإعراض عن مثل هذا كفر، ولو أن قطبا هذا كان من المغمورين وليس باب فتنة للناس كما تقدم لكان الأمر أهون وأقل شرا لو نقلنا دون بيان -مع عدم صحة ذلك-“

- والحال يختلف تماما إن نقلت عن ضال وكافر بذكر اسمه وكتابه دون بيان كفره وضلاله في مجلس خاص عند من يعرف ويقر بكفره وضلاله فالفرق ظاهر وعلة وجوب البيان منتفية هنا والحكم يدور مع علته.
 
- وبسبب كل ما تقدم فمجرد النقل عنه في هذه المسائل الكبرى مع الفتنة والتعلق به، دون بيان حاله فيه من التضليل للناس وفتنتهم به ما سيسأل عنه العبد بين يدي ربه لأن ذلك فيه من التسويق له والدلالة عليه وعلى كتبه المشحونة بالكفر والضلال ما لا يخفى على أحد، وكل من تأثر بشيء مما في كتبه فهو في ميزان وصحيفة من دل عليه، (وعند الله الموعد أيها الجهمي) والموت وشيك ولات ساعة مندم.

وإصابة "قطب" هذا في مسألة "التشريع" والتكفير بها لا يشفع لمن تسبب بسوق الناس لكفرياته المتعددة، ولا فرق بين "من نوى الإضلال ومن لم ينو"، فحسن المقصد ليس عذرا فيما هو دون الكفر فكيف بالكفر والعياذ بالله، وأحكام الشريعة علقت "بعللها" فكل عمل يقود لتلك العلة المحرمة فحكمه حكمها، فيجب علينا عند النقل عنه إحدى ثلاث ولا نجاة لنا بغيرها:
 
1- إما بيان حاله وكفره وتجهمه وهذا هو الحق.
 
2- أو نقول: "مع الحذر من الكفريات والضلالات المتعددة في كتبه حتى تلك الطبعات التي أقرها".
 
3- أو النقل بنحو هذه الصيغة: "قال أحدهم"، وهذه الأخيرة أضعفها ولا أرتضيها لنفسي!

ويا أخي الحبيب نجاة أنفسنا وحماية توحيدنا أهم وأغلى من كل شيء، والبعض يقول أورد اسمه دون بيان لإلزام الخصوم ممن يحتجون به، وهذا لا عذر فيه ولا يجوز لحال الجمهور والمتابعين والقراء وأكثرهم من العوام والصغار والمبتدئين والبيان والتفصيل يجب بأمرين:
 
- الأول: وقت الحاجة، وهذا متحقق.
 
- الثاني: عند خوف الفتنة والالتباس والتسويق لأهل الضلال وكتبهم، وهذا أشد تحققا.
 
أسأل الله أن يشرح صدورنا للحق ويثبتنا على الحق حتى نلقاه.



 وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين. 

 

 

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *