مسألة في تكفير "القدرية" عند الإمام أحمد - رحمه الله -.

 
 
 

 مسألة في تكفير "القدرية" عند الإمام أحمد -رحمه الله-.

 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 
- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
 
▪ بيان أن ما نسب "لأحمد" -رحمه الله- في ذلك غير دقيق لعدم بيانه من هؤلاء "القدرية" الذين لم يكفرهم "أحمد" وسبب هذا عدم استكماله جميع ما روي ونقل عن أحمد مما  فيه بيان حقيقة من لم يكفرهم أحمد من "القدرية"، فمن لم يكفرهم "أحمد" من القدرية -حسب ما نقل عنه- هم من يثبت ويقر "بالقدر" و"العلم" و"المشيئة" و"الخلق" -كخلق الشر والمعاصي- مع قوله بألفاظ "بدعية" في القدر مع ثبوت إقراره بالقدر والعلم والمشيئة والخلق كخلق الشر.

وأسباب إطلاق "أحمد" في بعض الروايات عدم تكفير من أثبت "العلم" من القدرية يتلخص فيما يلي:
 
1)- لأن مرتبة "العلم" هي أولى مراتب القدر وهي أصلها وأساسها الذي بنيت عليه بقية المراتب فما بعد العلم من المراتب تابع لمرتبة العلم.
 
2)- لأن من أثبت مرتبة "العلم" فالأصل والغالب إثباته لما بعدها لهذا كان كثير من السلف -ومنهم أحمد- يقولون: «نَاظِرُوا الْقَدَرِيَّةَ بِالْعِلْمِ، فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ خُصِمُوا، وَإِنْ أَنْكَرُوا كَفَرُوا».

• قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «نَاظِرُوا الْقَدَرِيَّةَ بِالْعِلْمِ ،فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ خُصِمُوا ،وَإِنْ أَنْكَرُوا كَفَرُوا».
 
• قال عبد الله: حُدِّثْتُ، عَنْ حَوْثَرَةَ بْنِ أَشْرَسَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامًا أَبَا الْمُنْذِرِ، غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: " سَلُوهُمْ عَنِ الْعِلْمِ، هَلْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عَلِمَ، فَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَعْلَمْ، فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ ".{السنة لعبدالله| 812}.

* ومعنى ذلك أن "القدري" إذا قيل له: هل تقر أن الله سبق في علمه أن هذه المعصية ستقع؟
* فإن قال: لا؛
فهؤلاء غلاة القدرية.

* وإن قال: نعم، قد علم ما يكون قبل أن يخلق الخلق.
* قيل له: فلماذا لم يغير الله هذا القدر وأنت يا "قدري" تزعم أنك تنزه الله عن "خلق الشر"؟!
 
3)- لعل الإمام -رحمه الله- اطلع على تصريح "القدرية" أو أكثرهم بإثبات مشيئة الله وإثبات خلق الله للخير والشر؛ ومما يؤكد ذلك أن القدرية المعتزلة الجهمية "كالإباضية" و"الزيدية" يصرح أكثرهم بإثبات المشيئة والخلق.
 
وهذا يؤيد ما ذكرناه من احتمال.
 
4)- لعل الإمام أحمد اعتمد على ما يروى عن "عمر بن عبد العزيز" -رحمه الله- وسنعلق على ذلك لا حقا.
 
وإليك حقيقة مذهب أحمد -رحمه الله- في مسألة تكفيره لعدة طوائف من "القدرية":
 
- أولا: تكفير من نفى "القدر كليا" فلم يقر ولم يؤمن بركن من أركان الايمان وهو ركن القدر خيره وشره.

وهذا "المنكر" لهذا الركن لا شك بأنه كافر وكفره صريح واضح جلى ولم يرد خلاف هذا عن أحد وحتى أكثر القدرية لا يصرحون بالهدم الكلي للقدر ولا يصرحون بعدم الايمان بهذا الركن فمن نفى ركن القدر كليا فهو كافر، ولم ينقل عن أحد من أهل السنة أو غيرهم خلاف في هذا.
 
- ثانيا: تكفير الإمام أحمد لمن نفى مرتبة "المشيئة " في القدر.

• قال الخلال: وَأَخْبَرَنِي مَنْصُورُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ النَّسَائِيَّ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ أَنَّ رَجُلًا مُحَدِّثًا قَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ يَفْعَلُ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، فَقَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: مَا شَاءَ اللَّهُ، أَوْ لَا يَشَأُ اللَّهُ يَفْعَلُ، فَاسْتَعْظَمَ ذَاكَ، قُلْتُ: يُسْتَتَابُ؟ قَالَ: « أَيْشِ يُسْتَتَابُ؟» قَالَ: « هَذَا الْكُفْرُ.» { السنة للخلال| 938 }.

- ثالثا: تكفير الإمام أحمد لمن نفى مرتبة "الخلق" في القدر.

• قال الخلال: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْرَ، وَلَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ، وَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَقَالَ: «هَذَا كُفْرٌ، هَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ جَهْمِيَّةٌ، الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرٌ عَلَى الْعِبَادِ» ، قِيلَ لَهُ: اللَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، اللَّهُ قَدَّرَهُ». { السنة للخلال| 900 }.
 
وأما ما جاء من روايات فيها إعراض أحمد -رحمه الله- أو تعجبه من مقولة «إن الله لم يخلق الشر»، فلا يدل صراحة على عدم التكفير وقد جاء التصريح بكفرهم كما تقدم.

- رابعا: تكفير الإمام أحمد -رحمه الله- لمن نفى "العلم" واستثنى من لم ينف "العلم" كما جاء فى عدة روايات منها.

• قال عبد الله: سَمِعْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ، وَسَأَلَهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَهْمِ عَنْ مَنْ قَالَ: بِالْقَدَرِ يَكُونُ كَافِرًا؟ قَالَ : « إِذَا جَحَدَ الْعِلْمَ، إِذَا قَال َ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا حَتَّى خَلَقَ عِلْمًا فَعَلِمَ فَجَحَدَ عِلْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ كَافِرٌ».{ السنة لعبدالله| 810 }.
 
ومن المعلوم أن مرتبة "العلم" هي أصل باب "القدر" فمن أثبت "العلم" فغالبا يثبت ما خلفه من المراتب كالمشيئة والكتابة والخلق والإيجاد، فلعل أحمد اعتمد على ذلك كما قدمنا وغيرها من الأسباب المشار لها آنفا ولعل أحمد تابع ما روى عن "عمر بن عبد العزيز" -رحمهما الله-.

- قَالَ حَوْثَرَةُ: وَحَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْخَطْمِيِّ، قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنَّ غَيْلَانَ يَقُولُ فِي الْقَدَرِ كَذَا وَكَذَا، فَمَرَّ بِهِ فَقَالَ: «أَخْبِرْنِي عَنِ الْعِلْمِ؟» فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا هِيَ عَامِلَةٌ وَإِلَى مَا هِيَ صَائِرَةٌ» فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ، اذْهَبِ الْآنَ فَاجْهَدْ جَهْدَكَ».{ السنة لعبدالله |813 }.
 
• وجاء عن "سلام بن المنذر" أن القدرية إذا لم يقروا "بالعلم" «حلت دماؤهم». 

- حُدِّثْتُ، عَنْ حَوْثَرَةَ بْنِ أَشْرَسَ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَّامًا أَبَا الْمُنْذِرِ، غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: "سَلُوهُمْ عَنِ الْعِلْمِ، هَلْ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ قَالُوا: قَدْ عَلِمَ، فَلَيْسَ فِي أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ، وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَعْلَمْ، فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُمْ ".{ السنة لعبدالله| 812 }.
 
مع أن رواية "عمر بن عبد العزيز" من -المعلقات- في "السنة لعبد الله" لكنها قد جرت عادة الأئمة رواية ما يصح معناه والاستشهاد به وإن كان فى سنده مقالا كصنيع "البخارى" في -المعلقات غير المجزومة- في صحيحه وعلى هذا جرى صنيع الأئمة، وهذا ظاهر في كتب السنة و لا ترد الآثار صحيحة المعنى لمجرد "ضعف السند" فإذا -صح المعنى وتلقاها السلف بالقبول جيلا بعد جيل ففيه الحجة-.
 
- خامسا: ما جاء فى الخلال.

• قال الخلال: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى، أَنَّ حَنْبَلَ بْنَ إِسْحَاقَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «وَنُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ، خَيْرِهِ وَشَرِّه»، قَالَ: «وَمَنْ قَالَ بِالْقَدَرِ وَعَظَّمَ الْمَعَاصِيَ فَهُوَ أَقْرَبُ، مِثْلُ الْحَسَنِ وَأَصْحَابِهِ، قُلْتُ: مَنْ مِنْ أَصْحَابِ الْحَسَنِ؟ قَالَ: عَلِيُّ الرِّفَاعِيُّ، وَيَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، وَنَحْوُهُمْ،..». { السنة للخلال| 912 }.
 
أي: أنه أقر "بالقدر خيره وشره" وأن الطاعات والمعاصى والخير والشر مقدرة ولكنه عظم أن ينسب المعاصى، كما يقول «زنى بقدر» فهذا الإحجام "تنزيهاً" وليس "نفيا للقدر" لاقراره ابتداء بالقدر خيره و شره.

- فقال الإمام أحمد -رحمه الله- بعد أن ذكر ذلك قال ممثلا لهولاء قال مثل الحسن البصرى و أصحابه، مع أن الحسن -رحمه الله- بريء من القدر لنفيه ذلك وقد حمل على أنه كف عن بعض العبارات الموهمة في ذلك لا أنه قد قال بقول القدرية ووافقهم حاشاه عن ذلك.

وجاء فى الخلال توبة "وهب بن منبه" عن مثل هذا مع أنه غير صريح في موافقة " القدرية النفاه لتقدير المعاصي".
 
• قَالَ حَنْبَلٌ: وَثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ مُنَبِّهٍ، وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَطْعَمَنِي مِنْ جَوْزَةٍ فِي دَارِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَدِدْتُ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ كَتَبْتَ فِي الْقَدَرِ كِتَابًا قَطُّ؟ قَالَ: وَأَنَا وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ، قَالَ حَنْبَلٌ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يُرِيدُ كِتَابَ وَهْبٍ كِتَابَ الْحِكْمَةِ، وَيَذْكُرُ فِيهِ الْمَعَاصِيَ، وَيُنَزِّهُ الرَّبَّ جَلَّ وَعَزَّ وَيُعَظِّمُهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه ِ:« وَهَؤُلَاءِ يَحْتَجُّونَ بِهِ، يَعْنِي الْقَدَرِيَّةَ».{ السنة للخلال| 913 }.
 
- وجاء فى الخلال تبديع الإمام أحمد وأمره بهجران من قال :«إن الله جبر العباد».
 
• وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي أَمْرِ حُسَيْنِ بْنِ خَلَفِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الْعُكْبَرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ تَنَزَّهَ عَنْ مِيرَاثِ أَبِيهِ، فَقَالَ رَجُلٌ قَدَرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُجْبِرِ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي فَرَدَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ رَجَاءٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ، أَرَادَ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ الْقَدَرِ، فَوَضَعَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ كِتَابًا يَحْتَجُّ فِيهِ، فَأَدْخَلْتُهُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِالْقِصَّةِ، فَقَالَ: وَيَضَعُ كِتَابًا؟ وَأَنْكَرَ أَبُو عَبْدُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، عَلَى ابْنِ رَجَاءٍ حِينَ قَالَ: جَبَرَ الْعِبَادَ، وَعَلَى الْقَدَرِيِّ الَّذِي قَالَ: لَمْ يُجْبِرِ الْعِبَادَ، وَأَنْكَرَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ وَضْعَهُ الْكِتَابَ، وَاحْتِجَاجَهُ، وَأَمَرَ بِهِجْرَانِهِ لِوَضْعِهِ الْكِتَابَ، وَقَالَ لِي: « يَجِبُ عَلَى ابْنِ رَجَاءٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ رَبَّهُ لِمَا قَالَ: جَبَرَ الْعِبَادَ »،فَقُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَمَا الْجَوَابُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ قَالَ: {يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [المدثر: 31].{ السنة للخلال| 925 }.
 
- وجاء أيضا وصف القول وضده يعني -الجبر ونفي الجبر- وصفه "بالمحدثة".
 
• قال الخلال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَمَّا أَنْكَرَ عَلَى الَّذِي قَالَ: لَمْ يُجْبِرْ، وَعَلَى مَنْ رَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «كُلَّمَا ابْتَدَعَ رَجُلٌ بِدْعَةً اتَّسَعُوا فِي جَوَابِهَا، وَقَالَ: يَسْتَغْفِرُ رَبَّهُ الَّذِي رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمُحْدَثَةٍ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ رَدَّ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِ الْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا إِمَامٌ تَقَدَّمَ».{ السنة للخلال| 926 }.
 
- سادسا: لم يبق بعد ذلك إلا حمل قول الإمام أحمد -رحمه الله- في عدم التكفير على مثل:
 
أ)- قول بعضهم وإطلاقه بأن العبد مخير وأن له المشيئة الكاملة دون تفصيل ودون بيان للقدر بوضوح فى كلامه حين يقول مثل هذه العبارة و هذه عبارة ظاهرها "عدم إثبات مشيئة الله المهيمنة على مشيئة العبد" «وما تشاءون إلا أن يشاء الله» وظاهر هذه العبارة من أوهم كلامه أو تهيب أن يصرح بإثبات إضلال أو هداية عبده وتوفيقه له؛
 
فمثل هذا لو كان مقرا بمراتب القدر وأثبت وأقر القدر وأقر مرتبة العلم والمشيئة والخلق فمثل هذا يتنزل عليه توقف الإمام أحمد في عدم التكفير.
 
ب)- وكذلك من لم يصرح وهاب أن يقول المعاصي مقدرة مع إقراره وتصريحه بالقدر خيره وشره وإقراره بسابق علم الله وبالمشيئة فمثل هذا لم يكفره أحمد؛
 
وهنا تنبيه مهم: من أجاب بتقدير الخير والشر إذا سئل عن "تقدير المعاصي" كما صنع ابن مهدي وأقره عليه أحمد -رحمه الله-:
 
• قال الخلال: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الزِّنَا، بِقَدَرٍ؟ فَقَالَ: " الْخَيْرُ وَالشَّرُّ بِقَدَرٍ، ثُمَّ قَالَ: الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ، وَذَكَرَ عَنْ سَالِمٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : «الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ بِقَدَرٍ» ، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ قَدْ سَأَلُوهُ عَنْ ذَا؟ فَقَالَ: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ بِقَدَرٍ، فَفَحَشُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: الزِّنَا وَالسِّحَاقُ بِقَدَرٍ؟ فَكَأَنَّهُ أَنْكَرَ هَذَا، وَقَالَ: قَدْ أَجَابَهُمْ إِلَى أَنَّ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِقَدَرٍ، فَجَعَلُوا يَذْكُرُونَ لَهُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَقْدَارِ».{ السنة للخلال| 894 }.
 
فهذا لا شيء عليه بخلاف من امتنع عن الإجابة حتى بالتصريح بأن الله خلق الخير والشر فحالة هذا مغايرة للأول.
 
ج)- وكذلك يندرج في قول الإمام احمد -رحمه الله- بعدم التكفير للقدرية من قال "بالجبر وضده" حيث اكتفى بتبديعه دون تكفيره، وهذا مشروط كما سبق بإقرار هذا المتلفظ بعبارة -الجبر بالعلم والمشيئة والخلق- وتبديع من عبر بالجبر سببه ما يلي:
 
1)- لأن التعبير بالجبر فيه إيهام في الكلمة واحتمالها لما لا يليق.
 
2)- لعدم ورودها في النصوص وليست من النصوص التفسيرية البيانية -كلفظ الحقيقة والذات في شرح صفات الله- الموضحة للمراد دون تضمنها لما يخالف صريح النصوص والآثار، والقائل "بالجبر" يبدع ويهجر إن لم يرجع.
 
- سابعا: قول الأوزاعي والثوري وأحمد -رحمهم الله- في النهي عن عبارة "مجبور أو غير مجبور" تجده في كتاب السنة الخلال |باب الرد على القدرية و قولهم إن الله جبر العباد على المعاصي | بدءا من الأثر رقم 919 }.
 
• قال الخلال: وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي هَارُونَ، أَنَّ إِسْحَاقَ حَدَّثَهُمْ، قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الطَّاعَةِ، قَالَ: بِئْسَ مَا قَالَهُ. { السنة للخلال|921 }.
 
• قال الخلال: وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ الْمَشْيَخَةِ، تَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: أَنْكَرَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ جَبَرَ، وَقَالَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَبَلَ الْعِبَادَ "، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ: أَظُنُّهُ أَرَادَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْس. { السنة للخلال|929 }.
 
• قال الخلال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ، قَالَ: ثَنَا بَقِيَّةُ، قَالَ: سَأَلْتُ الزُّبَيْدِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الْجَبْرِ؟، فَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَمْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ، وَقُدْرَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُجْبِرَ أَوْ يَعْضِلَ، وَلَكِنْ يَقْضِي وَيُقَدِّرُ وَيَخْلُقُ وَيَجْبِلُ عَبْدَهُ عَلَى مَا أَحَبَّهُ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَا أَعْرِفُ لِلْجَبْرِ أَصْلًا مِنَ الْقُرْآنِ وَلَا السُّنَّةِ، فَأَهَابُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ، وَلَكِنِ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرِ وَالْخَلْقَ وَالْجَبْلَ، فَهَذَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّمَا وُضِعَتْ كِلَاهُمَا مَذْكُورَةً هَذَا مَخَافَةَ أَنْ يَرْتَابَ رَجُلُ مِنَ الْجَمَاعَةِ وَالتَّصْدِيق.{ السنة للخلال|932 }ِ.
 
رد على أحد "المنتقدين":
 
- أولا: لا يغضبني الرد والاستدراك بل هذا مما أسعد به لأن المقصود التعلم والفهم لإصابة "السنة المحضة"، وأنا أطلب وألح على الإخوة دائما ولاسيما في رسائلي الخاصة أن يبدوا استدراكهم وملاحظاتهم لأن الغاية التعبد لله بإصابة الحق ونشر السنة.
 
- ثانيا: "الإشكال الحقيقي" يكمن في الأصل الذي يظهر أنه بنى عليه انتقاده، وكذلك طعنه المباشر في ديني وشخصي باتهامي بالتحريف، وهذه "صفة اليهود" -والعياذ بالله-.
 
• وقد علل هذا "المنتقد" اتهامه لي بالتحريف بقوله: «الواجب الأخذ بالمشهور من تقييد التكفير "بنفاة العلم" فقط دون غيرهم»!، هكذا مطلقا دون تفصيل.
 
- وهذا ظاهر "بعدم تكفير القدرية" حتى لو نفوا ظاهر النصوص ودلالاتها المعلومة بالضرورة في مراتب القدر الأخرى المعلومة بالضرورة "كالمشيئة" و"عموم خلق الله لكل شيء من الخير والشر"!
 
ومثل هذا - الفهم البدعي- يبنى غالبا على "بدعة جهمية" ظاهرها التقيد الحرفي بآثار السلف وأقوالهم حسب زعم هذه الطائفة الذين جمعوا "بدعة التجهم" من حيث لم يشعروا مع سوء الفهم.
 
هداك الله للحق والرشاد، قولك "بعدم التكفير" لهاتين الطائفتين -نفاة المشيئة في تقدير الشر- -ونفاة خلق الله للشر- أخشى أنه مبني على "ضلالة جهمية" عمرها (عشر سنوات) انتشرت بين بعض من ينسبون أنفسهم للسنة والسلفية بزعمهم، وأخشى عليك من التلبس بها دون أن تعلم خطرها لأن هذه "البدعة الجهمية" تظهر بمظهر التقيد الحرفي بآثار السلف!، فاغتر الجهال بها وسأبينها لك بإذن الله:
 
1- إنكارك لتكفير زنادقة "نفاة خلق الله للشر" وأن العبد هو من يخلق فعل نفسه في الشر.
 
2- إنكارك لتكفير الزنادقة الذين "نفوا مشيئة الله في تقدير الشر"!
 
كل ذلك بني على "ضلالة" انتشرت في (السنوات العشر) المنصرمة، بدعوى التقيد الحرفي الكامل بآثار السلف، وهي قول بعض "جهال الجهمية" من أدعياء التوحيد والسنة والسلفية!، بأن حجة وسبب وعلة التكفير في "كبار المسائل الظاهرة" في الشريعة منحصر فيما بلغنا من إجماع السلف وآثارهم!، وسبب التكفير هو مجرد بلوغ "آثار السلف" بخصوص البدعة المذكورة دون غيرها.
 
فمثلا قالوا: بأن تكفير من "لم يثبت العلو" أو تكفير من يتهم عائشة -رضي الله عنها- بسبب إجماع السلف في تكفير من قال ذلك فقط!، فمن "لم يبلغه الإجماع" عن السلف وآثارهم في مثل ذلك فليس له التكفير في هذه المسائل الكبرى، ويعذر إن لم يكفر!
 
وهذه جهالة فاضحة وتجهم صريح لأن أصل علة وسبب التكفير ليس مجرد مخالفة إجماع السلف وآثارهم أو بسبب تكفير السلف لهؤلاء دون غيره من الأسباب التي تسبق ذلك، بل مناط التكفير وسببه قبل ذلك هو "التكذيب" و"الرد" و"الإعراض" عن صريح النصوص في هذه المسائل الظاهرة المعلومة بالضرورة.
 
- ومن بلغه القرآن و لم يبلغه تكفير السلف لمن اتهم أمنا الصديقة عائشة -رضي الله عنها-، فلا عذر له إن لم يكفر أعيان الزنادقة المتهمين لها.
* لماذا لا عذر له؟!
 
لأنه قد "بلغه القرآن والسنة"، و"براءة" أمنا الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله ﷺ -رضي الله عنها- ظاهرة في النصوص كالشمس، فلا يتوقف التكفير على بلوغ آثار السلف بالتكفير بخصوص بعض المسائل الظاهرة المعلومة بالضرورة؛ لأن كفر هؤلاء أصلا "لعلة":
 
أ)- "رد" النصوص الصريحة.
 
ب)- "تكذيب" صريح النصوص -والتأويل الفاسد في مثل هذه المسائل الظاهرة نوع من "التكذيب" كما قال بعض السلف وكذلك تطبيقهم العملي في وصف المؤولين من الجهمية وغيرهم يشهد بذلك-.
 
ج)- "الإعراض" عن صريح النصوص.
 
وهذه "أسباب" و"علل" و"مناطات" كفرهم قبل أن يجمع السلف على ذلك، فتكفيرهم متقرر بنصوص تكفير "المكذب" و"الراد" و"المعرض" سواء بلغنا أم لم يبلغنا إجماع السلف على كفر هؤلاء الزنادقة، وأما من "لم يثبت العلو" ولا يعرف "أين ربه" فهذا كافر قبل الخبر وبعده لأن معرفة "علو الله" وارتفاعه وفوقيته من أصل معرفة الله التي أودعها الله في الفطر والعقول.
 
والمقصود مما سبق أنك لن تجد إجماعا للسلف بخصوص كل "مسألة ظاهرة كبرى" بعينها، ولا يلزم وجود ذلك ولا بلوغه لكي "نكفر" من خالف المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، فمثلا لن تجد إجماعا للسلف في قرونهم المفضلة بتكفير من "نفى" و"عارض" كل معلوم بالضرورة بخصوصه تحديدا "كوجود الملائكة"، ولا يتوقف تكفير منكرهم على آثار أو إجماع يبلغنا بخصوص تكفير منكر الملائكة.
 
- وابن راهوية -رحمه الله- كما في التمهيد نقل الإجماع بتكفير الراد لنص أو لشريعة.
 
• «..وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْ سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ دَفَعَ شَيْئًا أَنْزَلَهُ اللَّهُ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُقِرٌّ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنَّهُ كَافِرٌ فَكَذَلِكَ تَارِكُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا عَامِدًا وَلَقَدْ أَجْمَعُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الشَّرَائِع..» { التمهيد |4/226 }.
 
فالحذر من "الإفراط" و"الغلو" في التعامل مع آثار السلف، والحذر "بالتعجل" في الكلام في -دين الله- قبل الرسوخ في العلم والفهم.
 
 
 
   وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين. 
 
 
 
 

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *