دحض شبهة الجهمية المبطلين برواية باطلة لاتثبت سندا ولا متنا فيها تردد الإمام "أحمد" في تكفير الجهمية الخلقية.






دحض شبهة الجهمية المبطلين برواية باطلة لاتثبت سندا ولا متنا فيها تردد الإمام "أحمد" في تكفير الجهمية الخلقية.



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


ولوسلمنا بصحتها فسنثبت بإذن الله أن هذا كان في صغره و بداية طلبه للعلم وبدو شبابه كما ستراه من خلال البحث، ولو سلمنا جدلا أنه تردد في مرحلة كونه عالما فلا حجة فيها والإجماعات الصريحة البينة لا نتقض بمثل ذلك.

- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:

- وهذه شبهة للمرجئة الجهمية بنوها على رواية لاتثبت سندا ولامتنا فيها موقف قديم للإمام أحمد فى بدو شبابه وأوائل أمره حين -لم يكفر- و تردد وشك في تكفير من قال "بخلق القرآن" ثم تراجع عن ذلك؛ وذلك فيما يروى أن الإمام أحمد -رحمه الله- قال عن نفسه "كنت لا أكفرهم" ،وفي رواية أخرى "كنت أهاب أن أكفرهم حتى قرأت آيات من القرآ ن" [السنة للخلال وطبقات الحنابلة 2/553 مطبعة العبيكان].

فضعف السند مع عدم توقف الرد على ذلك قد نبه له بعض الإخوة فجزاه الله خيرا.
- أولا: رواية الطبقات جهالة عدالة "محمد بن هارون الوراق" وهو معتزلي قد اختلط.

- ثانيا: ورواية الخلال (1879) فيها "محمد بن علي أبوبكر" وعدالته مجهولة، وإن كان "الكتاني" فمجهول العدالة أيضا واتهم بالتصوف.

- ثالثا: رواية الخلال الأخرى (1858) مخالفة لما فهم من الرواية الضعيفة السابقة فهي لاتدل على توقفه في تكفيرهم إن ثبت عليهم قول ذلك يقينا لأنه صرح فيها بأن كفرهم (لاشك ولا ريب فيه)، ثم قال "كنا نهاب الكلام في هذا حتى أحدث هؤلاء ما أحدثوا.."، حتى قال: "فبان لنا أمرهم وهو الكفر بالله العظيم".

فتوقفه وهيبته لعدم تيقنه وجزمه بأنهم قالوا ذلك حقيقة فلعل الإشكال في النقل والفهم، فلما ثبت لديه قولهم هذا لم يشك ولم يرتاب بكفرهم كما صرح بذلك، وعدم تيقنه له أحوال فلعل بعضهم تكلم بكلام عام في سياق بعيد عن المصحف عن خلق الورق الذي (سيكتب عليه لاحقا القرآن قبل أن يكتب عليه المصحف) ففهم كلامه أنه عن ورق المصحف.

- والإجماع الذي نقله ستة من المتقدمين عن السلف قاطبة صريح كالشمس، وكذلك تعدد الروايات عن الإمام أحمد بتكفير من شك مجرد شك أو تردد في تكفيرهم.

وهذا هو الأصل المحكم البين، فأعرض الجهمية العاذرية عن المحكم البين وتعلقوا بالمتشابه المحتمل ومالا حجة فيه.

- والمحكم البين هو صريح الإجماع وصريح قول "أحمد" بتكفير كل منسوب للعلم أو للكلام يشك في كفر الجهمية الخلقية وغيرهم من الجهمية وتعلقوا بهذه الشبهة الواهية لإعذار وعدم تكفير (أعيان) عاذري المشركين وعاذر (أعيان) الجهمية ممن يقول "بخلق القرآن" أو بعدم اثبات العلو.

والرد عليهم سهل ميسور ولله الحمد والمنة:
* و تجد فى هذا الرد أيضا بيان مسألة عدم التعارض بين التفصيل الوارد فى إجماع أبي زرعة وأبي حاتم باستثناء الجاهل ضعيف الفهم وما جاء من الاطلاق فى إجماع حرب الكرماني من أقوال بعض السلف المطلقة بشأن ذلك. 

* وتجد فى هذا الرد أيضا الرد على المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد في إحتجاجهم بما ورد من آثار في تشبيه الجهمية القائلين "بخلق القرآن" بالمشركين و عباد الأصنام حيث بنو على هذه المشابهة التسوية المطلقة بين عاذر الجهمية الخلقية وعباد القبور والأصنام.

* وتجد فى هذا الرد أيضا الرد على ذلك التلبيس الكبير الموهم المشابه لفظا لإجماع السلف في تكفير العاذر في تلك المسائل الكبرى والمتفق حقيقة مع منهج المرجئة الجهمية في الإعذار بالشبهة والتأويل حيث أن الفرق بينهم وبين الجهمية العاذرية من أدعياء التوحيد في عدد التجهم وتكراره وتوسيعه وتضييقه وكل ذلك من كفر العاذرية فمن كفر (بكفر العاذرية الجهمية) مرتين أو ثلاثا يتساوى مع من كفر عشر مرات أو فوق ذلك والفرق فى عدد الكفر ودركاته، وهذا التلبيس الموهم هو ما قاله "خالد المرضي" و"عادل الغامدي" (والحازمي فيما نسب له) في قولهم بأن بعض أعيان العاذرية يعذرون للشبهة والتأويل حتى لو كانو من العلماء وأن تكفير السلف للعاذر لا يتناول إلا من رد أصل مسألة تكفير العاذر أو من قال أن الأصل عدم التكفير إلا بعد البيان مطلقا في هذه المسألة، وهم قد أرادو التوفيق والتلفيق بين قول السلف وآثارهم الصريحة وبين أقوال المرجئة وحقيقة قولهم يرجع لشبهة المرجئة و منهاجهم في الإعذار بالتأويل والشبهة وما أصلوا ذلك القول المحدث البدعي ولا قالوه إلا لإعذار من يقدسونه من العلماء العاذرية مع أن العالم المنسوب للسنة الحجة عليه أتم و آكد وحقيقة قولهم هو عين منهج الجهمية المرجئة فى الإعذار بالشبهة و التأويل لمن وقع فى كبار الكفريات ولا سيما تلك المتعلقة بأصل الدين كعبادة القبور وعدم إثبات علو الارتفاع والفوقية ولا فرق بين من عذر بعض الآحاد من العلماء وأهل الفهم وغيرهم من الجهال في هذه الكفريات الكبرى ومن عذر عددا أكبر منهم بتوسيع الإعذار فالفرق بينهم في توسيع الكفر وتضييقه والكل قد وقع فى التجهم.

مع ملاحظة أهمية الإفادة من كتب "خالد المرضى" لما فيها من فوائد مع الحذر من بعض ما فيها مما له علاقة بما سبق من تجهم العاذرية المتعلق بالعلماء الذين يقدسونهم وكذلك لا يستغنى عن كتب وتحقيقات "عادل الغامدي" لكتب السنة لما فيها من فهارس واستنباطات للفوائد وتبويبها مع الحذر من منهجه الجهمي العاذري المبني على الهوى والانتقاء، وأسأل الله أن يهديهم ويشرح صدورهم للحق وبيان منهجهم وانحرافهم ليس استطالة عليهم بذلك فكلنا كنا مرجئة جهمية، وهؤلاء الثلاثة مع انحرافهم و ضلالهم من أقرب الناس للحق ونأمل فى رجوعهم للحق

وأما تلبيس وتمويه المرجئة الجهمية بشأن هذه الرواية عن الإمام أحمد يتلخص في ستة أمور:

1/- اجتهد الجهمية بحشر هذه الواقعة في حالة ومرحلة مختلفة عن حقيقة حال أحمد ومرحلته آنذاك، ثم تناولوا هذه الحادثة كعادتهم في الاحتجاج بإظهار أن الإمام أحمد وقع في ذلك وهو في إحدى حالتين إما:

(أ‌)- حالة طالب العلم المتمكن؛ مع أنه لا دليل على ذلك بل الدلائل بخلاف ذلك تماما كما ستراه بإذن الله فى ذلك الرد.
(ب‌)- أو في حالة الرسوخ في العلم؛ وهذا مجرد دعوى كاذبة -وهذا ما سنفنده ونثبت خلافه بإذن الله-.

2/- وادعى الجهمية دعوى كاذبة مختلقة حين جاؤوا بحجة بليدة غبية زعموا فيها أن السلف عذروا الإمام أحمد آنذاك! وزعموا بأن أحمد قد عذر نفسه! مع أن شيئا من ذلك الاختلاق والكذب لم ينقل لأن ذلك التردد لم يعرف به الإمام أحمد ولم يشتهر عنه حتى حدث به عن نفسه وذكر تراجعه؛

* وكيف نترك صريح المنطوق عن الإمام أحمد بذاته (حين صرح بتكفير العاذر)؟ 

* وكيف نترك صريح منطوق إجماع السلف (ومن بينهم الإمام أحمد) بتكفير العاذر في هذه المسألة الكبرى لنتعلق بأوهام الفهوم وخيالات العقول؟!

* وكيف نستثني من التكفير غير (الجاهل العاذر ضعيف الفهم) وهو المخصوص حصرا وقصرا دون غيره بصريح منطوق إجماع السلف ومنهم الإمام أحمد؟!

3/- وقالوا إذا كان أحمد قد عذر مع إمامته في العلم -آنذاك كما يزعمون- فغيره أولى بالعذر لأنهم دونه في العلم ثم سحبوا ذلك لتعميم الإعذار واشتراط البيان قبل تضليل الأعيان:

- سواء للعلماء الواقعين بذاتهم في كبار الكفريات كعدم إثبات العلو ونحوها.
- أو العلماء العاذرية -من لم يكفروا العلماء الذين تلبسو بكبار الكفريات- ثم قالوا ما دون هؤلاء أولى بالعذر وأولى باشتراط البيان.

ومن لم يصرح بذلك منهم قولا فتطبيقه العملي السلوكي شاهد بهذه القاعدة الإرجائية الجهمية، وبذلك فقد عارض وناقض هؤلاء المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد:
- إجماع السلف القولي التنظيري.
- وناقضوا أيضا إجماع السلف العملي التطبيقي السلوكي في تعاملهم مع كل أعيان من تلبسوا بكبار الضلالات دون استثناء لأحد مهما بلغ من العلم فلم يعذروا بتأويل ولا شبهة ولا تقليد ولم يشترطوا البيان للأعيان ولا سيما لأولئك الذين بلغتهم صريح النصوص والأدلة في كبار الضلالات.

4/- وتعلق المرجئة الجهمية بهذا الموقف القديم الذي تراجع عنه الإمام ليستدلوا به على توسعة وإطلاق الاستثناء؛
الذي قيده وحصره وقصره السلف على الجاهل العاذر ضعيف الفهم وهذا الاستثناء خاص به لا يشمل غيره كما هو ظاهر من صريح و منطوق إجماع السلف.

- والاستثناء هو دلالة العموم ومعياره والنصوص واللغة والعقل والعرف دالة على هذه القاعدة الناصة على أن الاستثناء صريح في شمول حكم الخطاب لعموم جميع الأعيان والأفراد المندرجين في الخطاب دون المستثنين.

- وأنت ترى المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة يعملون مفهوم ودلالة هذه القاعدة في جميع مباحث العلوم والفنون حتى جاؤوا لهذه المسألة الإجماعية الصريحة فنكسوا على رؤوسهم وردوا ذلك بجعلهم -هذا الاستثناء المخصوص المقصور- شاملا حتى للعلماء الذين بلغتهم صريح النصوص والآثار وهذا عين الرد والتنكر لصريح إجماع السلف القولي وأما آثارهم العملية التطبيقية السلوكية بتكفير أعيان من تلبس بكبار المكفرات من المنسوبين للعلم والفهم فأكثر من أن تحصر.

وهذه الأدلة والنصوص والآثار القولية والعملية والتطبيقية فأين الشواهد والأدلة والآثار الصريحة في استثناء من وقع في كبار الضلالات من المنسوبين للعلم ممن بلغتهم صريح النصوص والأدلة.  

5/- واحتج المرجئة الجهمية بذلك أيضا ليعمموا اشتراط البيان قبل تكفير العاذر المعين وغيره من الضالين -في مثل هذه المسألة الكبرى- وقد أجمع السلف بأصرح عبارة وأوضحها أن اشتراط البيان مقصور مخصوص بالعاذر الجاهل (ضعيف الفهم) كما في إجماع الرازيين فأراد المرجئة الجهمية نقض ذلك الإجماع الصريح ورده بتعميم اشتراط البيان ليشمل غير من خصصه السلف حتى عذروا العلماء وطلاب العلم وأهل الفهم فى كبار الكفريات (ومنها اعذار أعيان عباد القبور ومن لم يثبت العلو) واشترطوا في حقهم البيان، ليس العاذرية منهم فقط بل عذروا واشترطوا البيان حتى للعلماء المتلبسين بذاتهم بكفريات كبرى (أشنع وأغلظ وأظهر من بدعة "خلق القرآن") كعدم إثبات العلو؛

• مع أن علو الله وفوقيته وارتفاعه على خلقه مركوزة في الفطر والعقول وأقام الله عليها أكثر من ألف دليل وهي فوق ذلك من أصل معرفة الله وأصل التوحيد وأصل الدين كما يدل عليه حديث الجارية في مسلم حيث جعل معرفتها (أين) إلاهها المستحق للعبادة شرطا للحكم بإسلامها وشرطا لحقيقة إيمانها بالله ومعرفتها به.

* فكيف لا يكون معرفة ذلك شرطا للحكم بإسلام عالم بلغته مئات الأدلة الصريحة فوق دلالة الفطرة والعقل؟!

- ولذلك لم يكفروا "ابن حجر" الجهمي بل حتى لم يبدعوه بل تجاوزوا ذلك لتضليل كل من كفره أو بدعه، وهذا فوق درجة العاذرية فى الكفر! مع أن كفر من لم يكفر (عاذر) ابن حجر أظهر وأولى من تكفير من لم يكفر من قال "بخلق القرآن".

وهذا لمن علم بعدم إثبات ابن حجر لعلو الارتفاع والفوقية وغيرها من كفرياته.

- وقال المرجئة الجهمية لا تضليل للأعيان -من تكفير أو تبديع حسب نوع المسألة- إلا بعد البيان حتى لوكان عالما حافظا بلغته تفاصيل الأدلة وحتى لو تلبس بكبار المكفرات كعدم إثبات العلو أو عذر أعيان عباد القبور وأعيان الرافضة.

وهذا حال كثير من أدعياء السنة من القرن السابع الى الآن؛ وما سبق هو ملخص احتجاجهم بقول الامام أحمد القديم.

- وإذا تأملت علم أدعياء التوحيد من الجهمية بشناعة عدم إثبات علو الله وفوقيته وارتفاعه على خلقه وعلمهم بأن عليها ألف دليل وعلمهم بأنها معلومة بالفطر والعقول وعلمهم بحديث الجارية في مسلم وعلمهم بإجماع السلف على تكفير من لم يثبت العلو، ثم رأيت تهوينهم لها بعدم تكفير أعيان من لم يثبت العلو وطعنهم فيمن كفره! وأمثلهم طريقة (والأمثل فيهم) من جعل تكفير أعيان هؤلاء من الخلافات السائغة!

- أقول إذا رأيت موقفهم من هذه المسألة ثم رأيت في المقابل مسارعتهم لتكفير جميع أعيان جنود الطواغيت حتى لو كانوا من العوام دون تسويغ لأي خلاف بشأن ذلك (وهذا حق لا شك فيه) ولكن هذا التناقض يظهر أن أصل تكفيرهم لهؤلاء بني على الغيظ والحنق والحقد وردات الفعل والتقليد والتبعية -ثم ألبس لبوس الشرع-.

وهذا يبين أنه لم يبن على أصل متابعة النصوص وإجماع السلف لأن من يدور مع النصوص والآثار حيث دارت ليس هذا حاله، وهذا والله الهوى والجهل مع أن كفر المنسوبين للعلم والحفظ ممن لم يثبت علو الارتفاع أشد وأشنع وأغلظ و أظهر من كفر أعيان جنود الطاغوت، والحجة عليه (لعلمه وحفظه) أتم وآكد، والكفر دركات.

- وتمحور تكفيرهم وتضليلهم للأعيان وحصره بالحكم ومسائله وتقديمها على غيرها ظاهر في منهاجهم ولذلك لا يحتملون قول "الظواهري" و"المقدسي" لوقالا بالعذر بالجهل لأعيان فرقة -محاربة الإرهاب في أمن الدولة المصري أوغيره (كما يسمونها)- ولكن صدورهم اتسعت لقولهما بإعذار أعيان الجهال من عباد القبور والأموات من عوام الرافضة وغيرهم واتسعت لعدم تكفيرهما لمن لم يثبت العلو! (وحتى من كفر الظواهري والمقدسي لاحقا لم يكفرهما لأجل ذلك ابتداء) مع أن كفر عباد القبور وكفر عدم إثبات العلو أشنع وأعظم وأظهر من كفر جند الطاغوت.

وهذه التناقضات والإزدواجية هى إحدى رواسب الجهل والخلل الكبير (في فهم التوحيد والسنة) لعدم تأصيلهم للتوحيد على كتب آثار القرون الثلاثة المفضلة ولتربيتهم الأولى وتأصيلهم القديم على كتب الجهال الضالين الجهمية كسيئ (وليس بسيد) قطب والمودودي و غيرهما، وقطب هذا لم يسلم من الضلال والكفر حتى في كتبه وطبعاتها الأخيرة التي أقرها بعد تراجعه! ولذلك فأكثرهم لم ينفك من قطبيته القديمة والرجوع للحق أولى من التمادي في الباطل فجميعنا كنا مرجئة جهمية في مرحلة من المراحل.

6/- استدل الجهمية العاذرية بتلك الحادثة القديمة للإمام أحمد على عدم تكفير عاذر أعيان عباد القبور مع أن كفر عباد القبور وكفر عاذريهم أشنع وأعظم وأظهر وأوضح وهم يعلمون ذلك ولكنها الأهواء إذ تتجارى بهم ولجهلهم وإفلاسهم من صريح النصوص والآثار احتجو بما جاء عن بعض السلف من مساواة وتشبيه القول "بخلق القرآن" وقائليه بالشرك وعبادة الأصنام والمشركين كقول "هارون بن معروف" في السنة لعبد الله (69)؛

• قال عبد الله: حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَمَّالُ، قَالَ قَالَ لِي هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ: "مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُوَ يَعْبُدُ صَنَمًا"، ثُمَّ قَالَ لِي: "احْكِ هَذَا عَنِّي".

- واحتجوا بذلك لإعذار من حكم بإسلام عباد القبور الجهال قبل البيان لهم وقالوا بأن التكفير لهؤلاء والتكفير لعاذريهم لا يكون إلا بعد البيان!

وهذا مما يدل على سوء فهمهم وعظيم جهلهم بالشريعة وبلسان العرب، وقد جاء عن الشافعي وغيره أن من أسباب البدع والأهواء الجهل بلغة العرب ولا حجة في قولهم هذا لأمور عدة منها:

- أولا: أن التشبيه والمساواة وإطلاق المثليية بين شيئين لا يلزم منه المطابقة والمماثلة من كل وجه وفي كل حكم ونصوص الوحى ولغة العرب ولسانها وكذلك العرف والعقل شاهدة بذلك ومثاله ما جاء في البخاري من قوله صلى الله عليه وسلم: "لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ

* فهل فهم أحد من العقلاء فضلا عن أهل العلم مساواة الذنبين من كل وجه وهل ما يترتب عليهما من أحكام و عقوبات الدنيا والآخرة قد تطابقت لأجل تلك المساواة والمشابهة والمماثلة وقد جاء عن القتل «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما»؛

* فهل يقال مثل ذلك فيمن لعن؟! 

وهل عليه الدية، وهل توعد اللاعن بالعذاب الغليظ فى الآخرة كما توعد به قاتل المؤمن متعمدا وقتل المؤمن عمدا من أكبر الكبائر واللعن بالإجماع ليس من أكبر الكبائر فاللعن دون الزنا وقتل النفس أعظم من الزنا وخلاصة ذلك أن لعن المؤمن كقتله يعنى من بعض الأوجه.

- ثانيا: ما جاء من تشبيه الجهمية الخلقية وغيرهم من الجهمية بالملاحدة القائلين بأن الإله لا شيء وإنما هو في خيالات وأوهام من عبده -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و لعنة الله على هؤلاء الزنادقة- وقد وصف الجهمية ابن المبارك فى السنة لعبد الله (18) بأنهم يجعلون الله لا شيء؛

• قال عبد الله: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ رُسْتُمَ أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَبُو سَهْلٍ رَاهَوَيْهِ، قَالَ: "كُنْتُ أَدْعُو عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فَأُكْثِرُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَدَخَلَ قَلْبِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَقَالَ: لَا يَدْخُلُ قَلْبَكَ فَإِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُ لَا شَيْءَ ".

وهذا عين قول الملاحدة المنكرين لوجود الله.

وقال أيضا فى السنة (24) أن الجهمية يقولون أن الله ليس بشيء -تعالى الله عن ذلك-؛

• قال عبد الله: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: قَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ خِفْتُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كَثْرَةِ مَا أَدْعُو عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، قَالَ: لَا تَخَفْ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَكَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ".

وعلى قاعدة الجهمية البليدة الغبية لا يجوز تكفير من عذر الملاحدة إلا بعد البيان لهذا العاذر!

* وهل عاذر الملحد يقاس على عاذر الجهمية الخلقية من كل وجه؟!

- مع أن العاذر في الحالتين قد كفر ولكن الفرق ظاهر جلي بينهما من جهة الشناعة والظهور والوضوح وغلظ الكفر وعظمه فعاذر الملحد النافي للاله الذي يقول بأنه لا شيء لا يعذر به الجاهل ضعيف الفهم فيكفر ابتداءا دون بيان إن لم يكفر هذا الملحد، بخلاف عدم تكفير الجاهل "ضعيف الفهم" للجهمية القائلين "بخلق القرآن" فهذا بإجماع السلف الذي نقله الرازيان يبين له قبل تكفيره وكما قلنا وكررنا مرارا أن هذا الاستثناء خاص بالجاهل "ضعيف الفهم" ومثلها إعذار الإمام أحمد (في السنة لعبد الله) لهؤلاء الجهال في مسألتي الوقف واللفظ لخفائها والتباسها عليهم دون غيرهم من المنسوبين للعلم وأهل الفهم وأهل الكلام.

وأيضا هذا الاستثناء خاص بمثل هذه المسألة الملتبسة على العامي الجاهل ضعيف الفهم و لا يتجاوز ذلك للمسائل المتعلقة بأصل الدين و غيرها من المسائل الكبرى الجلية البينة الواضحة.

- ثالثا: في السنة لعبد الله (29) قال الإمام عبد الله بن إدريس بأن (من قال القرآن مخلوق فقد زعم بأن الله مخلوق)؛

• قال عبد الله: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الزِّمِّيُّ، قَالَ: حَضَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِدْرِيسَ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ قِبَلَنَا نَاسًا يَقُولُونَ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، فَقَالَ: «مِنَ الْيَهُودِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَمِنَ النَّصَارَى؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَمِنَ الْمَجُوسِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَمِمَّنْ؟» قَالَ: مِنَ الْمُوَحِّدِينَ، قَالَ: «كَذَبُوا لَيْسَ هَؤُلَاءِ بِمُوَحِّدِينَ هَؤُلَاءِ زَنَادِقَةٌ، مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَخْلُوقٌ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ، هَؤُلَاءِ زَنَادِقَةٌ هَؤُلَاءِ زَنَادِقَةٌ».

وهذا قول بعض الملاحدة من أهل الطبيعة كما يسمونهم؛ ولأجل هذا التشبيه نقول للمرجئ الجهمي من أدعياء التوحيد ما حكم عاذر (من لم يكفر) من قال بأن الله بذاته مخلوق وأن له خالقا، هل يكفر قبل البيان أو بعده؟!

- فسيقول الجهمي دعي التوحيد بل نكفر كل مكلف مختار بإعذاره لهؤلاء حتى لو كان هذا العاذر جاهلا ضعيف الفهم (قبل البيان له) لأن هذا الكفر أعظم وأظهر وأوضح وأشنع من القول "بخلق القرآن"!

• وسنقول له لما فرقت فى الحكم بين الجاهل هناك وبين الجاهل ضعيف الفهم من عاذري الجهمية الخلقية والإمام قد قرنهما وشبههما ببعضهما؟!

- فسيقول الجهمي دعي التوحيد بأن التشبيه والمثلية من بعض الأوجه لا يستلزم ذلك من كل وجه ولا تلزم منه المساواة في جميع الأحكام والآثار والعقوبات.

• فسنقول له فهذا ردنا عليك حين فهمت ما جاء عن السلف في الجهمية الخلقية وقرنهم بالمشركين وعباد الأصنام.

- رابعا: قد جاء عن الإمام أبو بكر بن عياش تسوية من قال "بخلق القرآن" باليهود والنصارى.

• وهنا نسأل المرجئ الجهمي من أدعياء التوحيد ما قولك فيمن لم يكفر أعيان اليهود والنصارى واشترط لتكفيرهم البيان؟

- وسيقول الجهمي هذا العاذر لليهود والنصارى كافر حتى لو كان جاهلا.

• قلنا له لماذا فرقت في حكم اشتراط البيان بين عاذر الجهمية من أهل الجهل وعدم الفهم وعاذر اليهود والنصارى من الجهال مع أن الإمام أبو بكر شبههم وقرنهم باليهود والنصارى.

- فسيقول الجهمي من أدعياء التوحيد لا يلزم من التشبيه والقرن والمساواة في بعض الأحكام والأوصاف مطابقة ومساواة جميع الأحكام والأوصاف من كل وجه.

• فسنقول فهذا ردنا عليك فى إعذارك لعاذر (من لم يكفر) عابد القبور واشتراطك البيان له قبل التكفير.

- خامسا: ما جاء في اللالكائي (1815) عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب من تشبيهه المرجئة باليهود؛

• قال اللالكائي: عَنْ مُحَمَّدِ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: «مَا لَيْلٌ بِلَيْلٍ، وَلَا نَهَارٌ بِنَهَارٍ مِنَ الْمُرْجِئَةِ بِالْيَهُودِ».

* وسؤالنا للجهمي هل عاذر المرجئة كعاذر اليهود؟!

- ومثله ما جاء في السنة لعبد الله عن سعيد بن جبير من تشبيه المرجئة باليهود وتسميتهم بيهود القبلة.

• قال عبد الله: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ أَبُو عَلِيٍّ سَجَّادَةُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عُتَيْبَةَ بْنِ النَّهَّاسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: «الْمُرْجِئَةُ يَهُودُ الْقِبْلَةِ».

- سادسا: ما جاء عن سعيد بن جبير في كتاب الإيمان للإمام أحمد (193) واللالكائي (1813) تشبيه المرجئة بالصابئة؛

• قال اللالكائي: أنا مُحَمَّدٌ، أنا عُثْمَانُ، قَالَ: نا حَنْبَلٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُمَرَ الطَّوِيلُ الضَّرِيرُ، قَالَ: نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «مَثَلُ الْمُرْجِئَةِ مَثَلُ الصَّابِئِينَ».

* فهل عاذر المرجئة يتساوى في الحكم مع عاذر الصابئة المشركين الوثنيين الخرافيين.

- سابعا: عاذر عباد القبور ومن لم يكفرهم حتى لو كان جاهلا "ضعيف الفهم" لا يعذر بعد تكفيره لهم لأنه:
1- لم يحقق معنى الشهادة ولم يعرف حقيقة الاسلام ولم يفرق بينه وبين الكفر.
2- لم يكفر بالطاغوت.
3- قد كذب ورد صريح النصوص التى تمثل أصل الإسلام ولبه وحقيقته.

- ومثله تماما عاذر اليهود والنصارى والملحدين وشاتمي الرب سبحانه وغيرها من الكفريات الكبرى المتعلقة بأصل الدين والتوحيد فهذه لا عذر للجاهل "ضعيف الفهم" بإعذار وعدم تكفير من تلبس بمثل ذلك.

وهذا بخلاف الجاهل "ضعيف الفهم" إن عذر ولم يكفر الجهمية الخلقية لأجل التباسها وعدم ادراك الجاهل ضعيف الفهم والإدراك للوازمها ومراميها ومآلاتها ولذلك يبين له في مثل ذلك قبل إنزال حكم التكفير عليه.

- وكذلك لا يعذر الجاهل بما دون مسائل أصل الدين من تلك المسائل الظاهرة الجلية الواضحة المعلومة من الدين بالضرورة والتى لا لبس فيها ولا سيما لمن كان بين ظهراني المسلمين.

- ثامنا: وهذه نقطة هامة تحتاج لتركيز وتنبه؛ معرفة الله ووحدانيته واستحقاقه للعبادة دون سواه وأنه الخالق المدبر وأنه قد ارتفع فوق خلقه من "أصل الدين" وهي مركوزة في الفطر والعقول فلا عذر لمن عذر فيها سواء كان من الجهال أو العلماء وكذلك قد ركز الله في فطر الخلق أن له صفات الكمال والجلال.

- وأما معرفة أن الله أنزل على رسله كتبا وأن هذه الكتب من كلامه فمعرفة هذه الكتب من المسائل الخبرية ففرق بين المسألتين فالموحد من أهل الفترة قبل سماع الخبر والأدلة "كزيد بن نوفيل" وغيره يعرف الله بما أودعه الله في الفكر والعقول فيعرفون بأن له صفات الكمال والجلال وأنه المستحق للعبادة وأنه الخالق المدبر، ولكنك إن سألته عن القرآن لا يعلم عنه شيئا وكذلك لو سألته عن الزبور وصحف موسى فالأصل أنه لا يعلم عنها شيئا لعدم شهرته آن ذاك كالتوراة والأنجيل ولا يعلمون كذلك هل كتب الأمم السابقة هي من كلام الله أم من كلام وأحاديث الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام وعدم معرفته بهذه الكتب وهل هي من كلام الله أم لا؟

لا يعنى أنه يجهل ما فطره الله عليه من أن الله له صفات الكمال والجلال ومنها صفة الكلام ففرق بين المسألتين.

- وعلى ذلك فإن كثيرا من الجهمية الخلقية (القائلين بخلق القرآن) ينشرون تمويههم وتلبيسهم وخداعهم في هذه المسائل وهذا من أسباب اللبس عند العامة الجهال ضعيفي الفهم ولذلك فالجاهل ضعيف الفهم يعلم أن القرآن كلام الله ويعلم أن الله له صفال الكمال والجلال بما هو مركوز في فطرته وعقله وبما علمه من شرع الله ولكنه لا يميز ولا يفرق ولا يدرك بسبب تلبيس الجهمية وتمويههم أن قول الجهمية فى القرآن المكتوب بالمداد على ورق المصاحف متجه مباشرة لأصل اتصاف الله بصفة الكلام وأن الله يتكلم بما شاء متى شاء ولأجل هذا اللبس وعدم التمييز من الجاهل ضعيف الفهم حصل له الشك والتردد في تكفير هؤلاء الجهمية الخلقية ولذلك فقد اشترط السلف إجماعا البيان للجاهل "ضعيف الفهم" في عذره لهؤلاء، ومثل ذلك إعذار أحمد في السنة لعبد الله للواقف واللفظي الجاهل بخلاف أهل الفهم والعلم وذلك للتلبيس وعدم إدراك الجاهل لمثل هذه المسائل.

وقبل الرد على تعلق الجهمية بما جاء عن أحمد أحب أن أنبه على مسألة هامة جدا وهي:
أن هذا الاستثناء والإعذار المخصوص بالعاذر الجاهل ضعيف الفهم والإدراك واشتراط البيان له قبل تكفيره مخصوص بنحو بدعة "خلق القرآن" وما يماثلها ولا يتجاوزها لما هو أعظم وأشنع منها وأظهر كالكفريات المتعلقة بأصل الدين والتي لا عذر فيها لأحد عالما كان أو جاهلا فعاذر الوثنين المشركين عباد القبور وعاذر اليهود والنصارى والملحدين ومن سب الله وأمثال ذلك لا يعذر بأي حال وكذلك من عذر من اعتقد أن هناك خالقا مدبرا مع الله، لأن من عذر هؤلاء ولم يكفرهم قد كفر من ثلاثة أوجه:

- أولا: لجهله وعدم تحقيقه لمعنى الشهادة وعدم تمييزه بين الشرك والتوحيد وعدم معرفته بحقيقة الإسلام ولبه.
- ثانيا: لعدم كفره بالطاغوت.
- ثالثا: لتكذيبه ورده لما جاء في القرآن والسنة من نصوص صريحة جلية يقوم عليها أصل الدين وتمثل لب الإسلام وحقيقته.

وإجماع السلف القولي التنظيري في إجماع الرازيين وكذلك تطبيق السلف العملي السلوكي صريح بين بتنزيل التكفير على الأعيان قبل البيان في هذه الكفريات الكبرى سواء المتلبسين بها أو عاذريهم.

- والعاذر الذي عذره السلف واشترطوا له البيان بصريح قولهم من توفر فيه شرطان:
1/- أن يكون جاهلا ضعيف الفهم.
2/- أن يكون إعذاره في مثل هذه المسائل؛
إذ لا عذر لجاهل بإعذاره لمن تلبس بكفر في أصل الدين، فلا يعذر الجاهل ضعيف الفهم الذي لم يكفر عابد الشجر والحجر والأصنام وما يماثل ذلك تماما من عابد القبور والأموات.

- فإن قال الجهمي الأصنام والأحجار قد اشتهر بعبادتها الكفار فلذلك نكفر من عبدها بخلاف عابد القبور والأموات من المنتسبين للإسلام والرد على هذه الشبهة كالتالى:

- أولا: الأمر لا يتعلق ابتداء بالشهرة وعدمها فهذا من أصل الدين وقد ركز الله في الفطر وحدانيته وجاهل التوحيد كافر لأنه لم يحقق الكفر بالطاغوت من جهة الأصل.

- ثانيا: لو كان الأمر متعلقا بالشهرة كما يزعم الجهمي العاذري لحكم بإسلام جميع عباد غير الله من آلهتهم المستحدثة كعابدي الحيوانات والسحالي والفئران وعباد الفروج! ولا ندري هل يحكم الجهمي بإسلام من عبد الزرافة مثلا لأن هذا لم يكن مشهورا؟!

وهذا الغباء والبلادة من إفرازات دين التجهم و العاذرية.

- وأما التفريق بين المشرك المنتسب وغير المنتسب فستجده فى هذا المقال بإذن الله وهناك آيات صريحة فى كتاب الله تهدم هذه الشبهة كآيتي الزمر والأنعام، ولافرق بين الكافر المشرك المنتسب للإسلام أو غير المنتسب للإسلام بنص آيتي "الزمر" التي خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم إمام الموحدين المنتسبين لو فعل وتلبس بالشرك الأكبر ويتبعه في ذلك جميع الموحدين لو تلبسوا بالشرك؛ قال الله تعالىٰ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾{الزمر|65}، و"الأنعام" التي تتحدث عن الأنبياء أئمة الموحدين لو فعلوا وتلبسوا بالشرك الأكبر؛ قال الله تعالى ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ {الأنعام|65}.

- وقد جاءت الآيتان بصيغة الفعل ﴿أَشْرَكْتَ﴾،﴿ أَشْرَكُوا﴾ وهذه الصيغة بالفعل صريحة في تعليق الحكم على الموحد المنتسب للإسلام بمجرد الفعل، فبمجرد فعله للشرك الأكبر ولو لمرة واحدة فهو "مشرك"، ولم تأت الآيتان بالصيغة الدالة على الحال؛

حيث لم يقل أصبحت مشركا أو أصبحوا مشركين، لأن هذه الصيغة قد توهم و يفهم منها أن الحكم على الموحد متعلق بتغير كامل حالته الدينية والعقدية تماما وذلك بانتقاله من ديانة لديانة أخرى عن طريق ترك الإسلام والانتقال لملة أخرى.

- مع أن الموحد لو فعل الشرك الأكبر مرة واحدة ﻷصبح مشركا ولكانت حالته حالة إشراك، ولا فرق بين الصيغتين حقيقة، ولكن دلالة صيغة الفعل أبلغ في البيان للمقصود وهو أن الموحد بمجرد وقوع فعل الإشراك منه يكون مشركا حابط العمل ولا يلزم أن يعتقد ترك الإسلام لملة أخرى، وهذه الصيغة الدالة على الفعل (لا الحال) أبلغ في الرد على المرجئة الجهمية المفرقين بين المشرك المنتسب للإسلام وغير المنتسب.

ولذلك قيل مامن بدعة إلا وفي القرآن ردها ونقضها ولكن ذلك يتطلب منا غاية التدبر والتأمل والتفكر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

- والصحابة رضي الله عنهم كفروا أعيان الجهال الاميين الذين لا يمتلكون مصحفا واحدا في جميع ديارهم من أتباع مسيلمة المنتسبين للإسلام خاصة لإشراكهم في النبوة.

* فكيف لا يكفر أعيان المنتسبين للإسلام ممن أشركوا في الأولوهية؟!

- وكذلك ما جاء في مسلم من تكفير "ابن عمر" للقدرية المنتسبين للإسلام مع ما لديهم من تأويل وشبهة وسابق فضل وعلم.

- وإجماع السلف القولي والعملي صريح بين في تكفير العاذرية وغيرهم -دون بيان- في هذه المسائل الكبرى ومن هؤلاء المجمعين الإمام أحمد.

أقول إجماعهم صريح بعدم الاعتداد بتأويل العاذرية وشبهتهم وتقليدهم ولم يستثنوا عالما لعلمه أوعابدا لعبادته أو متأولا لتأويله وشبهته، ولم ينقل عن السلف من قولهم أو فعلهم اشتراط البيان لهؤلاء في هذه الضلالات الكبرى (تنبه فحديثنا عن كبار الضلالات) وآثار السلف القولية والعملية التطبيقية السلوكية صريحة بينة شاهدة بتنزيل الحكم على المعين دون بيان، إلا أن الجهمية أرادوا أن يحرفوا الإجماع ويدخلوا فيه ما ليس منه.

- وعودا لمسألتنا في رد شبهة ما جاء عن "أحمد" في أول صباه من عدم تكفير الجهمية الخلقية؛ نقول الإمام أحمد لم يتحقق الشرط فيه في تلك المرحلة من عمره كما سنبين ذلك بإذن الله، وهذا مما يبطل الاستدلال بهذه الواقعة، والأئمة علموا هذا عن أحمد -بعد إخباره عن نفسه- ونقلوه عنه.
* فكيف فهموا ذلك؟!
* وكيف تعاملوا مع ذلك؟!

* وهل أحدث ذلك أثرا أو تغييرا مع ما نراه من صريح أقوال الأئمة وأفعالهم وتطبيقهم العملي مع من وقع في مثل ما وقع فيه -قديما- الإمام أحمد مع أن أحمد لم يتحقق فيه الشرط كما سيأتي؟!

- وهذه آثار السلف والأئمة القولية والعملية التطبيقية بين أيدينا.

* فهل فهموا من هذه الحادثة ما فهمه المرجئة الجهمية؟!

- بل إن السلف علموا ونقلوا لنا بعض الضلالات والبدع التي تلبس بها بعض آحاد السلف في أوائل أمرهم وشبابهم وبدو طلبهم للعلم كالثوري وابن الماجشون وغيرهم رحمهم الله، ورووا لنا ما وقع فيه هؤلاء من البدع قديما ثم نرى السلف والأئمة قد نهجوا معها نهجا ليس لنا إلا اتباعهم فيه وفهموا منها فهما ليس لنا إلا الالتزام به، وسترى ذلك النهج والسبيل تفصيلا تجاه هذه الحوادث بإذن الله.

- فتطبيق السلف العملي السلوكي في تنزيلهم الأحكام على الأعيان يتوافق تماما مع تقعيدهم وتأصيلهم القولي التنظيري فلا استثناء ولا اشتراط للبيان في حكمهم على الأعيان إلا لمن نصوا عليه.

وهذا صريح كالشمس بأن السلف الذين نقلوا لنا هذه المخالفات عن بعضهم -بعد تراجعهم- لم يستنبطوا منها ولم يؤصلوا منها ما استنبطه وأصله هؤلاء الخلوف الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة؛ مع أن هؤلاء الخلوف يزعمون إقرارهم بحجية فهم السلف وإجماعهم ويدعون اقتفاء آثارهم! فحسبنا الله ونعم الوكيل.

- ولذلك فهذه المسائل الكبرى المحكمة الإجماعية التي تواردت عليها النصوص وثبت وتحقق فيها اجماع السلف على سبيل القطع واليقين لا تنقض ولا تعارض بما يخالفها ولا سيما ان جاءت عن آحاد وأفراد من الأئمة قبل تراجعهم عن تلك المخالفات الواقعة في بدو أمرهم وأوائل مراحلهم العمرية وهذه الرواية عن الامام أحمد وغيرها من الحالات التى وقعت لآحاد الأئمة في بدو أمرهم قد علمها السلف ورووها وتعاملو معها تعاملا واضحا جليا بينا فلم يرد عن أحد منهم (قولا) أو فعلا و سلوكا وتطبيقا "صريحا" -تنبه لهذا القيد صريحا- يشير بتحريف صريح لما جاء في إجماعهم أو توسيع ما جاء فيه من حصر وقصر الاستثناء حيث لم يرد عنهم من قريب أو بعيد -من القول أو الفعل- ما يشير لاستثناء العالم العاذر من التضليل ابتداء دون بيان في مثل هذه المسائل الكبرى ومثله طالب العلم المتمكن وأهل الكلام ومن يشبههم ويلتحق بهم كمن يسمون بالمثقفين الذين يفهمون دلالات الكلام ومراميه ولوازمه.

• أقول بما أن السلف علموا بتلك الحوادث والسقطات القديمة ولم يرتبوا عليها تغييرا فيما نقل عنهم من القول والعمل والتطبيق فلم يبقى لنا إلا اتباع السلف في تعاملهم مع هذه الرواية بعينها وأمثالها كما سترى ذلك تفصيلا بإذن الله وستعلم حقيقة تنكب المرجئة الجهمية لطريقة السلف ومنهاجهم وقد طالبنا جميع شيوخ المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة من أكثر من "خمس وعشرين" سنة أن يأتوا لنا بأثر واحد فقط (صريح غير محتمل) يؤيدهم في بدعتهم باشتراط البيان واستثناء بعض الأعيان من المنسوبين للعلم والفهم من التضليل (إذا لابسوا كبار الضلالات مع بلوغ صريح الأدلة و النصوص لهم) لأجل علمهم أو فضلهم أو منزلتهم أو للتأويل والشبهة أو التقليد أو اشتراط البيان لهؤلاء قبل الحكم على أعيانهم بالضلال عند تلبسهم بكبار الضلالات.

تنبه فكلامنا عن كبار الضلالات من البدع المفسقة أو المكفرات ولا نتكلم هنا عن خفي المسائل أو تلك المختلف في كفر صاحبها كالخلاف فى الخوارج الأوائل.

- وإلى الآن لم يجد المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد نصا أو أثرا واحدا (صريحا) يدل على ذلك فهم في عجز وعي لمخالفتهم صريح النصوص والإجماع والآثار، وما داؤهم والله إلا اتباعهم للمتأخرين من أدعياء السنة من القرن السابع وهؤلاء (المبتدئين من القرن السابع) وافقوا السلف نظريا في (تعريف الايمان والكفر والإرجاء وذمه) ولكنهم في الجانب العملي التطبيقي على الأعيان نشروا وأصلوا لتقعيد إرجاء الجهمية في الإعذار وعدم التكفير عملا وتطبيقا في باب الأسماء والأحكام وما يندرج فيه من مسائل تكفير وتبديع المعين كغالب ما في كتب "ابن تيمية" في هذا الباب خاصة ولم يخالفها إلا في أربعة مواطن فقط من كتبه وقد نقض هذه المواضع الأربع جميعا وتراجع عنها بتراجعه عن تكفير الأشاعرة الجهمية الذين قال لهم في مناظرته (يا مرتدين) وتراجعه عن ذلك وغيره صريح في موضعين:

- الأول: حين قال عن رأسهم "ابن مخلوف" حين هلك ''أن ما كان بينهما هو من قبيل خلاف المؤمنين مع بعضهم!''

- الثاني: تراجعه عن كل تكفير (لمعين منسوب للاسلام) بما نقله تلميذه الذهبي عنه من تراجعه عن تكفير كل منتسب للإسلام من أهل الوضوء!

وبسبب قواعد "ابن تيمية" وتأصيلاته وتطبيقاته لإعذار الزنادقة والمرتدين إنحرف نهج المنسوبين للسنة والتوحيد من ذلك الحين في هذا الباب (الأسماء و الأحكام) إلا من رحم ربك، وزاد هذا البلاء والضلال رسوخا جيلا بعد جيل بثلاثة أمور:

- الأول: بالتهوين والتبرير لهذه القواعد الإرجائية المناقضة لصريح النصوص وآثار السلف القولية والعملية.

- الثاني: رسخ إرجاء الجهمية العملي التطبيقي في الحكم على الأعيان بالتلفيق المتكلف السمج لبعض تلك التناقضات والضلالات ومحاولة الترقيع والتوفيق بينها حتى لجأ بعضهم للكذب والمرواغة التي لا تليق بعاقل منصف ذي مرؤة فضلا عن منتسب للعلم وتراه يعارض ما صرح به "ابن تيمية" من عدم تكفيره لأعيان بعض الزنادقة والمرتدين بحجة أن "ابن تيمية" كفرهم على سبيل العموم والنوع مع أنه يعلم جيدا أن "ابن تيمية" يسير على تلك القاعدة الجهمية التي كررها كثيرا في كتبه وفتاواه وقد طبقها عمليا مرارا وتكرارا وهي إطلاق التفريق بين تكفير العين والنوع لكل المنتسبين للإسلام حتى لو كانت كفرياتهم متعلقة بالربوبية كما فعل مع:

* أعيان "القلندرية" حين بدأ يتكلم عن تنزيل الحكم على الأعيان في فتواه عنهم [مجموع الفتاوى الجزء 35: الفقه 15: قتال أهل البغي - الإقرار | سئل عن القلندرية].

* وأيضا عندما تكلم عن أعيان علماء وقضاة الحلولية في كتاب الإستغاثة [1/383- 384] وكل تكفيره للحلولية فهو عام على النوع لا الأعيان حسب قاعدته التى يكررها دائما.

* وأيضا بعدم تكفيره للأعيان الذين تلبسوا بكفريات تهدم وتنقض توحيد الألوهية ككلامه عن أعيان عباد القبور ومن يجيزون عبادة الأموات والقبور (بدعائها و الإستغاثة بها) من العلماء! ويندرج في ذلك عدم تكفيره لأعيان الرافضة في كتبه الأخيرة "كالمنهاج" الذي كتبه بعد سنوات من كتابته "للصارم المسلول" الذي كفر فيه الرافضة!

* وإعذاره لأعيان الزنادقة المستهزئين كمسقطي بعض التكاليف ممن نقل عنهم "قولهم لا حاجة لنا لصلاة ولا صوم ولا حج لأن الكعبة هي التى تطوف بنا".

- ثالثا: ورسخ إرجاء الجهمية العملي التطبيقي في الحكم على الإعيان بالسكوت عن هذه الضلالات وغض الطرف والتغافل عن إعذار وأسلمة أعيان الزنادقة من علماء الحلولية وعباد القبور والمجيزين لذلك وغيرهم، وهذا السكوت كان لأجل التعظيم والتقديس لقائلها "ابن تيمية" وغض الطرف عن هذه العظائم لأجل ذلك وحتى من حاول مخالفة بعض تقريراته ومخالفته لصريح إجماع السلف وآثارهم فإن هذا المخالف المخطىء له لا يجرؤ على توصيف خطئه بالضلال بل يهونه ويجعله من المسائل الخلافية والتي لا تكفير ولا تبديع ولا تضليل فيها للأعيان!

ولا خروج من هذا التيه الإرجائي إلا بالحكم عليه وعلى أقواله بما يستحق حسب صريح اجماع السلف وصريح النصوص.

- وأحدهم حين قرر بالحجة وألزم بها أقر بأن ما وقع فيه من الضلالات ولكنه لم يتجرأ على قول "أن كتبه فيها ضلالات وجهميات" لأن قلبه قد إمتلأ بالتقديس للأشخاص أعظم من تقديسه وتعظيمه لأصول وعقائد وإجماعات السلف المجمع عليها بل وقدموا حماية ذاته وصيانته على حماية وصيانة صريح إجماع السلف والنصوص وصريح الآثار السلفية القولية والعملية.

والله إن بعض المرجئة الجهمية في باب الإيمان وتعريفه لم ينقل عنهم التوقف في بعض هؤلاء الذين لم يكفرهم بل بعض المرجئة الجهمية في باب الإيمان و تعريفه يكفر (بالتضمن والدلالة حسب مذهبهم الجهمي في التكفير) ببعض أمثال ذلك وما نعيشه الآن ونراه من تفرق وشتات لم يسبق مثله لأدعياء التوحيد والسنة ما هو إلا ثمرة نكدة لهذا الإرجاء العملي السلوكي التطبيقي الظاهر المنتشر المتكرر في كتب "ابن تيمية" و الذهبي فى سيره أيضا.

- ومن غاية البلادة والهوى والتقديس أنهم يرون كل فريق يختلفون معه في مسائل وأصول كبرى يحتج لرأيه بأقوال صريحة كالشمس من كتب المتأخرين "كابن تيمية" وغيره ومع ذلك يصرون على تقديسها وتحريم وتجريم بيان حقيقة ما فيها من أصول الضلال المتعلقة بالحكم على الأعيان في كبار الكفريات والزندقة.  

وما تقدم من التأصيل والبيان والتمهيد فيه بعض ما ينقض شبهتهم في التعلق والإستدلال بقول الإمام أحمد القديم ونضيف لذلك هذا الرد المفصل بإذن الله، والرد سنجمله ونذكر محاوره ثم سيكون التفصيل لاحقاً لبعض هذه المحاور التى تحتاج لتفصيل وبيان، والرد كالتالي (سائلين الله الهداية والتسديد والإعانة):

1/- إذا كان الاحتمال المعتبر يسقط الاستدلال، فكيف بما هو فوق الاحتمال كما ستراه بالدلالات والقرائن المؤكدة والبراهين ولا يخفى على من شم رائحة العلم أن الاحتمال المعتبر لأفراد النصوص والآثار يجعل من هذا النص والأثر المشكل الموهم متوافقاً مع الأصل المجمع عليه الذي تواردت عليه النصوص والآثار وثبت به الإجماع وبذلك لا يهدم بهذا النص أو الأثر المفرد تلك القاعدة الإجماعية المحكمة المتقررة وما جاء عن "أحمد" في بدو أمره وأوائل حاله في هذه المسألة له احتمالات تصرفه عن فهم هؤلاء، وبذلك ففهم هذه الرواية وحقيقة حال أحمد حينها لا يجعلها مخالفة للإجماع ولا معارضة لتطبيق وفعل وفهم الأئمة إجماعا -ومن بينهم الإمام أحمد- في تكفير أعيان العاذرية في هذه المسائل الكبار وعدم البيان والاستثناء إلا من استثناه الأئمة حصرا وقصرا.

وهذا المستثنى المنصوص عليه تحديدا وحصرا وقصرا هو الجاهل العاذر ضعيف الفهم والإدراك في مثل هذه المسألة تحديداً بدعة القول "بخلق القرآن" و لا يتجاوز ذلك لما هو أعظم منها كماسبق بيانه، وما سنذكره من الاحتمال المعتبر والقرائن المؤكدة يبطل الاستدلال من أسه.

2/- سنبين بإذن الله عدم تحقق الشرط في الإمام أحمد في تلك المرحلة التى كانت في بدء أمره، وبعدم تحقق الشرط ينقض الاحتجاج من جذوره وسيأتى تفصيل ذلك بإذن الله.

3/- إذا كانت نصوص الوحي من القرآن والسنة إذا وصفت بالتشابه لمخالفتها -حسب فهم القارئ- ظاهر المحكم -البين الواضح- المقرر بصريح النصوص والإجماع فيجب حينئذ عدم العمل بظاهر هذا النص -مع أنه من الوحي- ويجب رده للمحكم ويجب تفسيره وتوجيهه بما يتوافق مع المحكم وعند العجز عن الجمع فيطرح العمل بالمتشابه تماما ولا يلتفت له ولا يعمل به، وإنما الواجب هنا العمل بالمحكم وهذه القاعدة في نصوص الوحي، فكيف بما سواها؟!

- وبعد ذلك يريد هؤلاء الجهمية البلداء أن ننقض صريح الإجماع -المنقول عن آلاف مؤلفة من الأئمة ومن بينهم أحمد- (وما في ذلك الإجماع من تفصيل بين ظاهر لا يحتمل اللبس) لأجل حالة مفردة لواحد من الأئمة في بدو أمره وأول عمره ثم تراجع عن ذلك؟!

- وإذا أردت معرفة سوء هذا الصنيع من أدعياء التوحيد والسنة من هؤلاء المرجئة الجهمية فارجع لآية "آل عمران" عن المتشابه وارجع لتفسيرها في حديث البخاري وما جاء عن السلف من الصحابة ومن بعدهم بشأن ذلك، وقد أمرنا الله باتباع المحكم وترك ما تشابه من نصوص الوحي فكيف بما سواها؟

4/- لا يختلف أحد ممن ينتسب للتوحيد والسنة بوجوب الالتزام بفهم السلف ومنهاجهم حتى هؤلاء المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة يقرون بذلك ويدعونه وسنرى الآن حقيقة فهم السلف ونهجهم القولي التنظيري والفعلي العملي تجاه مثل هذه الحوادث المفردة والوقائع والمخالفات السابقة لبعض الأئمة في بدو أمرهم وشبابهم كما وقع "للثوري" إمام أهل السنة في زمانه حين تلبس ببعض البدع في أول شبابه ثم تراجع عن ذلك؛ وكان "سفيان" يصف هدايته للحق بعد تلك البدعة بالحياة ووصف تلك البدعة (تقديم علي على الصحابة رضي الله عن الجميع) بأنها من أسباب حبوط الأعمال؛

قال ابن بطة: حدثنا ابو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن علي بن بطحاء قال: حدثنا محمد بن عبدالله بن نوفل قال: حدثنا قبيصة عن سفيان قال "من فضل عليا على أبي بكر وعمر فقد أزرى على المهاجرين والأنصار وأخاف أن لا يرفع له عمل"[الإبانة الكبرى|92].

- والمرجئة الجهمية بعد ذلك يريدون تحريف منهج السلف حيث يبتغون من غيرهم التوقف عن وصف (بعض أعيان) من قدم "عليا" أو فضله على سائر الصحابة بالضلالة لأنه من المنسوبين للعلم حتى لو بلغته صريح النصوص والآثار! بحجة أن تلك البدعة قد تلبس بها "سفيان" قديما! وقال المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة حين أشربت قلوبهم التجهم والإرجاء بأن إطلاق التضليل لجميع أعيان من قال بهذه الضلالة سيلزم منه الطعن في "سفيان" في بدو شبابه وأوائل عمره! 

وهذا الفهم والمنهج للمرجئة الجهمية غاية في الغباء والبلادة و غاية الجرأة على مسلمات عقيدة ومنهاج السلف وإجماعهم، وما أرق دين الله في قلوب المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة! وهذه منزلة إجماع السلف عندهم.

ونحن الآن بين أمرين
- أولاهما: إجماع صريح بين كالشمس من أئمة السلف ومن بين هؤلاء الأئمة المجمعين "الثوري" بتضليل أعيان من قدم "عليا" على جميع الصحابة ولا سيما من بلغته النصوص الصريحة من المنسوبين للعلم.

* فهل نوافق الإجماع وموافقة "سفيان الثوري" بتضليل أعيان هؤلاء المقدمين "لعلي" أم نرد وننقض إجماع السلف ومن بينهم "سفيان" ونتبع جهالات وضلالات وفهوم الخلوف من أدعياء التوحيد والسنة من المرجئة الجهمية؟!

- وثانيهما: بدعة قديمة تلبس بها "الثوري" قديما حين قدم "عليا" رضي الله عنه ثم تاب وراجع الحق،

* والسؤال هنا هل غيرت وبدلت هذه البدعة القديمة للثوري شيئا من موقف السلف الشرعي الإجماعي تجاه المتلبسين ببدعة وضلالة تقديم "علي" على كافة الصحابة رضي الله عنهم؟!

- وحين علم أئمة السلف بذلك عن "الثوري" و رووه ونقلوه لنا هل غير وبدل أئمة السلف -ومنهم الثوري- قاعدة تبديع وتضليل جميع أعيان (دون استثناء) من قدم "عليا" على الصحابة ولا سيما من بلغته النصوص ومن المعلوم عند كل طالب علم أن حوادث ووقائع الأعيان لا عموم لها وإذا خالفت الحادثة والواقعة قاعدة كلية فإن هذه الواقعة تطرح ولا يلتفت لها ولا يؤصل عليها ولا يستنبط منها حكم معارض للأصل.

وهذا فهم السلف ونهجهم وتعاملهم مع تلك البدع القديمة ظاهر بين في آثارهم القولية العملية التطبيقية ونحن لهم تبع في فهمهم ومنهاجهم.

* فمن سلف أهل التجهم العاذرية؟!
- لن يجدوا لهم من القرون المفضلة سلفا ولذا سيرحلون لشيخ العاذرية في القرن الثامن (ابن تيمية) ونحن أهل السنة نطالب المرجئة الجهمية بأثر واحد فقط قولي أو عملي صريح يستثنى من قدم "عليا" من التضليل لأجل علمه أو فضله أو تأويله أوشبهته أو تقليده ولا سيما من بلغته النصوص والأدلة.

* وهل جاء عن أحد من السلف اشتراط البيان للأعيان قبل التضليل في هذه البدعة بعد بلوغ النصوص بحجة أن "سفيان الثوري" قد تلبس بها قديما؟!

* ومن من السلف في قرونهم المفضلة أصل وقعد من هذه الحوادث والوقائع إعذار العلماء وأهل الفضل الذين بلغتهم النصوص إن تلبسوا بكبار الضلالات؟!

- بل من فقه الشريعة علم أن إثم العالم ووزره أعظم وضلاله أظهر وألزم إن واقع كبار البدع والضلالات لأن حجة الله عليه أكمل وأتم بما آتاه الله من علم وبما بلغه من صريح النصوص وهذه قاعدة ظاهرة جلية ومن المسلمات البديهيات إلا لدى من أشربت قلوبهم الإرجاء والتجهم من أدعياء التوحيد والسنة حيث أن قاعدتهم أن العالم وصاحب الفضل والفهم الذي بلغته صريح النصوص معذور مرفوع عنه الحكم لأجل علمه وفضله حتى لو تلبس بكبار الكفريات والضلالات المجمع عليها، ولذا تجد شيخ العاذرية "ابن تيمية" يقعد ويؤصل لذلك قولا وتنظيرا وكذلك عملا وتطبيقا فتراه حين صنف "ابن حزم" ضمن غلاة الجهمية في الطبقة الثالثة في كتاب "درء التعارض" ولكنه مع ذلك يثني عليه كما أثنى على علماء الأشاعرة مع علمه بتجهمهم لأن في منهج "ابن تيمية" العملي التطبيقي يصح أن يجتمع في المكلف (المتلبس بكبار المكفرات بعد بلوغ صريح النصوص) وصف التجهم والكفر ووصف الإسلام والتوحيد معا! مع أن التجهم باجماع السلف في هذه الكفريات الكبرى لا يمكن أن يجتمع مع الإسلام والتوحيد ولا سيما في قلوب العلماء الذين بلغتهم صريح النصوص وفي بعض المواضع يتجاوز "ابن تيمية" ضلالة العاذرية حيث يقول بأن إطلاق الذم والتضليل لأمثال "ابن حزم" وعلماء الأشاعرة المواقعين لكبار الكفريات المتعلقة بأصل الدين كعدم إثبات العلو.

أقول بأن إطلاق الذم والتضليل لأعيان هؤلاء عنده من الظلم والاعتداء مع أن هذا هو صريح إجماع السلف القولي والعملي التطبيقي وهو ما دلت عليه النصوص بينما الثناء عليهم ضمن منهج الموازنات الذي إبتدعه وعدم تضليل وتبديع أو تكفير أعيانهم من العدل مع أن "ابن حزم" و"علماء الأشاعرة" يجب تكفيرهم بأعيانهم ومن توقف عند تبديعهم فهو جهمي كافر بإجماع السلف لأنهم كفروا من لم يكفر من قال "بخلق القرآن" وعدم إثبات العلو أشنع وأغلظ وأظهر من ذلك.

- والمقصود أن العلم وبلوغ صريح النصوص حجة على العالم وسبب لتضليل الأعيان ابتداء دون بيان عند السلف إجماعا ولا سيما فى كبار الضلالات فجاء الخلوف من القرن السابع من المرجئة الجهمية من أدعياء السنة ونكسوا الأمر وقلبوه بجعلهم العلم وبلوغ صريح النصوص ليس بحجة على العالم بل غنما وعذرا ومانعا له من تضليله وتبديعه (بعينه) فضلا عن تكفيره لما تلبس به من كبار الكفريات وجعلوا البيان والمناصحة في مقام ومنزلة (الحجة التي هي بلوغ النصوص ولا سيما في كبار المسائل وعظائم الكفريات) ولا يغرنك تقعيد "ابن تيمية" وأتباعه النظري الذي قالوا فيه أن بلوغ النصوص هي الحجة لأنهم قد نقضوا ذلك بتطبيقهم العملي السلوكي.

ومن عذر مشركي الربوبية من القلندرية وعذر أعيان زنادقة مسقطي بعض التكاليف وعذر أعيان زنادقة الحلولية وهم علماء وقضاة قد بلغتهم صريح النصوص، لا يتعجب من ثنائه على "ابن حزم" الجهمي والأشاعرة الجهمية وأسلمتهم وإعذارهم.

- ونعود لمسألتنا بشأن ما وقع من "الثوري" قديما وتقديم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من المسائل الكبرى، ولا يخفي تقديمهما وتفضيلهما إلا على ضال معرض ولا عذر بالإعراض لأن أدلة تفضيلهما وتقديمهما ظاهرة جلية لا تخفى إلا على من أعمى الله بصيرته، ألا تكفي دلالة أن من زكاهم الله في كتابه ورسوله في سنته من الصحابة الأبرار فضلوهما وقدموهما؟!

* فأين التغيير المدعى في منهج السلف جراء هذه البدعة القديمة من بعضهم وهذه آثار السلف القولية والعملية التطبيقية بين أيدينا ونحن بحمد الله لها تبع، فأين هذا الإستثناء والتغيير واشتراط البيان المزعوم في هذه المسألة، وهذا لا وجود له إلا في تلك الخيالات والأوهام الإرجائية؟!

- وبحمد الله ومنته فدين الله أعظم وأقدس من أن تحرفه مثل هذه الوقائع والحوادث ومنهج السلف وعقيدة التوحيد في قلوب أهل التوحيد والسنة أرسخ وأعمق من أن تزعزعها مثل هذه الشبهات الغوية المتمكنة من قلوب الخوالف من أدعياء التوحيد والسنة ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وأهل التوحيد والسنة بفضل الله ومنته على الجادة حين تابعوا سلفهم في القرون المفضلة حين لا زالوا على إعتقاد تضليل وتبديع كل معين -دون استثناء كائنا من كان- فضل "عليا" وقدمه على الصحابة جميعا ولا سيما بعد التمكن من النصوص وبلوغها.

- وإذا كان الإمام "نعيم بن حماد" أحد شيوخ البخاري (كان جهميا) و الإمام "الثوري" و الإمام "ابن الماجشون" وقع منهما ما وقع قديما وتلبسا بالبدعة في أول شبابهم والإمام "ابو زرعة الرازي" كان من أهل الرأي قديما وغيرهم -رحمهم الله جميعا- كانو في حداثة أسنانهم وسالف أزمانهم من أهل البدعة ثم رجعوا وأصبحو بفضل الله ومنته من علماء السنة.

* فما التغيير والتأصيل المستحدث الذى يريده أهل الإرجاء والتجهم من مثل ذلك؟!

* هل يريدون منا أن نصادم وننقض ونحرف صريح إجماع السلف القولي والعملي ونصف الإمام "نعيم بن حماد " -رحمه الله- حين كان جهميا بأنه كان في ذلك الحين مع تجهمه سنيا سلفيا على الجادة؟!

* أليس السلف قد نقلوا لنا وصفه بالتجهم حينذاك؟!
وهو قد وصف نفسه بذلك فى تلك المرحلة المتقدمة.

* وهل يراد منا أن نصف الإمامين "ابن الماجشون" حين تلبس بالقدر والكلام و"الثوري" حين تلبس بالتقديم في مرحلتهما الأولى في بدو شبابهم بأنهما من أهل السنة وعلى الجادة مع ما تلبسوا به؟!

* وهل يوجد عن السلف في قرونهم المفضلة أثر واحد فقط يصفهما في تلك المرحلة في أول شبابهم أنهما كانا من أهل السنة حتى مع تلبسهم بتلك الضلالات؟!

- لم يقل بذلك أحد من السلف ولا يلزم أن يبلغنا عن السلف وصفهم لهما بالبدعة في أوائل شبابهم لأن قاعدة تضليل كل أعيان من تلبس بالقدر والكلام وقدم "عليا" على الصحابة هي التى سار عليها السلف قولا وعملا وعملا وتطبيقا ولا مخالف لهذه القاعدة وقد جاء عن "يحيى بن معين" -رحمه الله- قوله عن "ابن الماجشون" -رحمه الله- أنه كان يرى القدر والكلام ثم ترك ذلك للسنة وجاء عن "سفيان" أنه وصف هدايته بالحياة وجعل بدعة التقديم من أسباب حبوط العمل.

واعلم أخي السني أن هذه المخالفات القديمة عن بعض آحاد السلف لم يكن فيها أي لبس أو إشكال بالنسبة للسلف لأن قلوب أئمة السلف خلية من الريبة والبدعة والضلالة والإرجاء وإنما الإشكال طرأ لدى الخلوف من مقدم المتشابه على المحكم والمحتمل على الواضح ومقدمي شذوذات الوقائع وأفراد الحوادث على الإجماعات الصريحة البينة وعلى منهاج السلف العملي التطبيقي، وهذه هي حقيقة ولب منهج المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة، ولم يحدث ذلك عند السلف خللا واضطرابا وتناقضا بين التأصيل القولي والعملي التطبيقي ولذلك لم يستثنوا أحد من أهل العلم وأهل الفهم وأهل الكلام وقع في كبار الضلالات والبدع بعد بلوغ النصوص.

- ولذلك فهذه المسائل الكبرى المحكمة الإجماعية التي تواردت عليها النصوص وثبت وتحقق فيها إجماع السلف على سبيل القطع واليقين لا تنقض ولا تعارض بما يخالفها ولا سيما إن جاءت عن آحاد وأفراد من الأئمة قبل تراجعهم عن تلك المخالفات الواقعة في بدو أمرهم وأوائل مراحلهم العمرية، وهذه الرواية عن الإمام أحمد و غيرها من الحالات التي وقعت لآحاد الأئمة في بدو أمرهم قد علمها السلف وتعاملوا معها تعاملا واضحا جلياً بيناً فلم يرد عن أحد منهم (قولا) أو (فعلاً و سلوكاً و تطبيقاً صريحاً -تنبه لهذا القيد صريحاً) يشير بتحريف صريح لما جاء في إجماعهم أو توسيع ما جاء فيه من حصر وقصر الإستثناء حيث لم يرد عنهم من قريب أو بعيد -من القول أو الفعل- ما يشير لاستثناء العالم العاذر من التضليل ابتداء دون بيان في مثل هذه المسائل الكبرى ومثله طالب العلم المتمكن وأهل الكلام ومن يشبههم ويلتحق بهم كمن يسمون بالمثقفين الذين يفهمون دلالات الكلام ومراميه.

أقول بما أن السلف علموا بتلك الحوادث والسقطات القديمة ولم يرتبوا عليها تغييرا فيما نقل عنهم من القول والعمل والتطبيق فلم يبق لنا إلا اتباع السلف في تعاملهم مع هذه الرواية بعينها وأمثالها كما سترى ذلك تفصيلاً بإذن الله.

- وستعلم حقيقة تنكب المرجئة الجهمية لطريقة السلف ومنهاجهم وقد طالبنا جميع شيوخ المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة من أكثر من خمس وعشرين سنة أن يأتو لنا بأثر واحد فقط (صريح غير محتمل) يؤيدهم فى بدعتهم باشتراط البيان واستثناء بعض الأعيان من التضليل (إذا لابسوا كبار الضلالات مع بلوغ صريح الأدلة والنصوص لهم) لأجل علمهم أو منزلتهم أو للتأويل والشبهة أو التقليد أو اشتراط البيان لهؤلاء قبل الحكم على أعيانهم بالضلال عند تلبسهم بكبار الضلالات.

تنبه فكلامنا عن كبار الضلالات من البدع أو المكفرات وليس عن خفي المسائل أو تلك المختلف في كفر صاحبها كالخلاف في الخوارج الأول.

- وإلى الآن لم يجد المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد نصا أو أثرا واحدا صريحا يدل على ذلك فهم في عجز و عِيّ لمخالفتهم صريح النصوص والإجماع والأثار وما داؤهم والله إلا اتباعهم للمتأخرين من أدعياء السنة من القرن السابع، وهؤلاء من القرن السابع وافقوا السلف نظريا في (تعريف الإيمان والكفر والإرجاء وذمه)، ولكنهم في الجانب العملي التطبيقي على الأعيان نشروا وأصلوا لتقعيد إرجاء الجهمية عملا وتطبيقا في باب الأسماء والأحكام وما يندرج فيه من مسائل تكفير وتبديع المعين كغالب ما في كتب "ابن تيمية" في هذا الباب خاصة ولم يخالفها إلا في أربعة مواطن فقط من كتبه! فانحرف نهج المنسوبين للسنة من ذلك الحين في هذا الباب إلا من رحم ربك؛ وزاد هذا البلاء رسوخا جيلا بعد جيل بثلاثة أمور:

- الأول: بالتهوين والتبرير لهذه القواعد الإرجائية المناقضة لصريح النصوص وآثارالسلف القولية والفعلية.

- ثانيا: رسخ إرجاء الجهمية العملي التطبيقي بالتلفيق المتكلف السمج لبعض تلك التناقضات والضلالات ومحاولة الترقيع والتوفيق بينها حتى لجأ بعضهم للكذب والمراوغة التي لا تليق بعاقل ذي مروءة فضلا عن منتسب للعلم وتراه يعارض عدم تكفيره لأعيان بعض الزنادقة بتكفيره لهم على سبيل العموم مع أنه يعلم أن "ابن تيمية" يسير على تلك القاعدة الجهمية التي طبقها عمليا وهي (إطلاق التفريق بين تكفير العين والنوع لكل المنتسبين للإسلام حتى لو كانت تلك الكفريات متعلقة بالربوبية:

* كما فعل مع أعيان القلندرية وأعيان الحلولية.
* أو متعلقة بالألوهية كأعيان عبادالقبور ومن يجيزون عبادة القبور من العلماء، وأعيان الرافضة في كتبه الأخيرة.
* أو أعيان الزنادقة المستهزئين كمسقطي بعض التكاليف ممن يقولون "لا حاجة لنا بصلاة وصوم ولا حج لأن الكعبة هي التي تطوف بنا!".

- ثالثا: السكوت عن هذه الضلالات لتعظيم وتقديس قائلها وغض الطرف عن هذه العظائم، وحتى من حاول مخالفة بعضها فإنه لا يجرؤ على توصيف ذلك الضلال بما يناسبه بل يهونه ويجعله من المسائل الخلافية التي لا تكفير ولا تبديع فيها للأعيان.

ولا خروج من هذا التيه الإرجائي إلا بالحكم عليه وعلى أقواله بما يستحق.

- وأحدهم حين قرر بالحجة أقر بهذه الضلالات ولكنه لم يتجرأ على قول أن كتبه فيها ضلالات وجهميات، ووالله إن بعض المرجئة الجهمية لم ينقل عنه التوقف في بعض هؤلاء بل بعضهم يكفر (بالتضمن والدلالة حسب مذهبهم الجهمي في التكفير) ببعض أمثال ذلك، وما نعيشه الآن ونراه من تفرق وشتات لم يسبق مثله لأدعياء التوحيد والسنة ماهو إلا ثمرة نكدة لهذا الإرجاء العملي السلوكي التطبيقي الظاهر المنتشر المتكرر في كتب "ابن تيمية" و"الذهبي" في سيره أيضا.

- ومن غاية البلادة والهوى والتقديس أنهم يرون كل فريق يحتج لرأيه بأقوال صريحة كالشمس من كتب المتأخرين كابن تيمية وغيره ومع ذلك يصرون على تقديسها وتحريم وتجريم بيان حقيقة ما فيها من أصول الضلال والإرجاء والتجهم بحجة ما فيها من نصرة للحق والسنة في أبواب من العلم!

وهذا من البلاء والفتنة التي لم يتجاوزوها بعد، وما فيها من نصرة للحق لا يسوغ السكوت عنها وعن بيان حقيقة منهج كاتبها؛ ولنعلم أن أصول إعذار الأعيان والإرجاء والتجهم العملية التطبيقية خاصة عند الإخوان والسرورية والجامية وعبيد السلطان والقتاليين متوافقة تماما مع أصول المنهج العملي التطبيقي الإرجائي الجهمي في الحكم على الأعيان في كتب "ابن تيمية" كتلك الأمثلة السابقة، بل إني أعرف كتب ومناهج هذه الجماعات والفرق جيدا وأعرف أعيانهم وشيوخهم من (ثلاثين سنة) ولا والله لا أعلم أن أحدا منهم بلغ في التجهم أن عذر أعيان هؤلاء الزنادقة والحلولية ومشركي الربوبية كما فعل قدوتهم وشيخهم "ابن تيمية" والبعض يأخذ هذه المسألة بعقلية صبيانية وكأنها للمغالبة فيحاول الانتصار لرأية ولو بالباطل والتناقض والازدواجية، ونقول للمقدس المتعصب "عند الله الموعد".

- ونعود لمسألتنا ونقول فتعاملنا مع هذه الحالات المفردة من سقطات وضلالات بعض الأئمة فى بدو أمرهم وأوائل شبابهم ثم تراجعهم عنها كالتالي:

- أولاً: لا يجوز نقض صريح الإجماع الذي دلت عليه النصوص والآثار ولا يجوز التنكر له ومخالفة ما فيه من صريح التفصيل (والاستثناء المخصوص الذى لا يحتمل غيره) لمخالفة آحاد وأفراد من الأئمة في بدو أمرهم وأوائل مراحلهم العمرية ولا سيما وقد ثبت تراجعهم.

- ثانيا: أن البدع والضلالات الكبرى التي نص الاجماع بوصف أعيان من تلبس بها بالضلالة (أيا كان هذا المتلبس) يجب علينا التزام ذلك الإجماع وعدم الحيدة عنه بوصف كل أعيان من وقع في ذلك بالضلال بضوابط السلف في الحكم على المعين حيث لم يرد عن السلف من قولهم وتنظيرهم أو فعلهم وتطبيقهم ما يفيد التفريق أو التمييز لأحد (ممن وقع فى كبار الضلالات) ولا سيما لعالم أو طالب علم متمكن ممن بلغتهم النصوص والآثار وبناء على ذلك الإجماع القولي التنظيري وما توارد عليه فعلهم وتطبيقهم في جميع أجيالهم فلا يجوز الإعراض عن كل ذلك وتغييره وتحريفه لأن آحادا من الأئمة واقعوا بعض المحدثات في حداثة أسنانهم ثم تراجعوا ولله الحمد فالعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات وحجتنا في عدم نقض الإجماع بتلك الحوادث والوقائع (ومنها ما وقع من الإمام أحمد) هو ما جاء صريحا من قول وفعل ونهج السلف، وإليك بيان ذلك تفصيلا:

أ/- الإمام "ابن الماجشون" رحمه الله من أئمة وعلماء السنة من أقران الإمام "مالك" رحمهم الله تلبس في بدو أمره وأوائل حياته ببدعتي (القدر والكلام) ثم تاب ورجع عن هاتين البدعتين.

* فهل ننقض إجماع السلف بتضليل أعيان من تلبس ببدعتي القدر والكلام حتى لو كان من أهل العلم الذين بلغتهم النصوص لأن الإمام "ابن الماجشون" رحمه الله تلبس بذلك في أوائل شبابه ثم تاب؟!

فالسلف نقلوا لنا ذلك ورووه لنا ثم نراهم لم يغيروا ولم يبدلوا حين كانوا يضللون أعيان من تلبس بالقدر والكلام، وهذا فهم ونهج السلف في مثل هذه الوقائع ونحن بفضل الله لهم تبع.

- والحق أن يتابع نهج سلفنا الصالح في التعامل مع ذلك لكي لا نهلك أنفسنا بمخالفة الإجماع، وكيف يسوغ لنا تقحم حمأة التجهم (بأسلمة المرتدين) وننقض الإجماع لأجل حادثة وسقطة قديمة متراجع عنها لبعض آحاد السلف!، بل نقول ونعمل بما جاء عن السلف (في إجماعهم القولي والعملي) ونأخذ بصريح منهجهم الدال على وجوب تضليلنا لأعيان من تلبس بكبار الضلالات ولا سيما من أهل العلم والفهم الذين بلغتهم النصوص والآثار ولا عذر لأحد منهم -أيا كان- ومن تلبس ببدعة القدر والكلام فهو بعينه ضال في تلك المرحلة -أيا كان- ومن أقلع عن البدعة ورجع للحق لا يضره سابق عهده وقد علم السلف ما وقع قديما للإمام الكبير "ابن الماجشون" رحمه الله وتناقلوه جيلا بعد جيل ومع ذلك لم يرد في آثارهم القولية والعملية تأصيل وتقعيد إعذار من وقع من العلماء في بدعتي (القدر والكلام) لأجل علمه أو تأويله أو شبهته ولم يشترطوا البيان في حق هؤلاء، بل لم ينقل عن واحد من السلف التصريح بإعذار "ابن الماجشون" في مرحلته القديمة التي كان متلبسا فيها ببدعتي القدر والكلام.

وهذا فهم ونهج السلف قولا وتطبيقا في مخالفات بعض الأئمة التي تراجعوا عنها ونحن لهم تبع ولله الحمد.

* فمن سلفكم أيها المرجئة الجهمية من الأجيال الأربعة الأولى في الأمة الثلاثة القرون المفضلة مع تلاميذهم ووارثيهم من أئمة الجيل الرابع؟!

ب/- ولا ننقض ونهدم إجماع أهل السنة بتبديع وتضليل أعيان من قدم "عليا" على الشيخين -رضي الله عنهم- لأن هناك رواية -مع ما فيها من الوهم على قول بعضهم- بأن الإمام سفيان الثوري -رحمه الله- كان فى بدو أمره وأوائل عمره يقول بتلك الضلالة المنكرة ثم تاب ورجع للسنة مع أن الأقرب أنه كان فى بدو أمره على بدعة دونها وهي تفضيل "علي" على "عثمان" -رضي الله عنهما- ثم تاب عن تلك البدعة التي تلبس بها في أوائل شبابه وأصبح إمام أهل السنة في زمانه، وكان "سفيان الثوري" يصف هدايته للحق بعد تلك البدعة بالحياة ووصف تلك البدعة تقديم "علي" على "الصحابة" بأنها من أسباب حبوط الأعمال وقد جاء في الإبانة أنه قال "أخشى أن لا يرفع له عمل".

* فكيف يريد منا المرجئة الجهمية بعد ذلك أن نتوقف عن وصف -من قدم عليا أو فضله- بالضلالة لأنه من المنسوبين للعلم، بحجة أن تلك بدعة قد تلبس بها سفيان قديما؟!
* ما هذا الغباء والبلادة؟!

وما أرق دين الله في قلوب المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة!

- ونحن الآن بين أمرين:
- أولاهما: إجماع صريح بين كالشمس من أئمة السلف -ومن بين هؤلاء الأئمة المجمعين الثوري- بتضليل أعيان من قدم "عليا" على الصحابة ولاسيما من بلغته النصوص من المنسوبين للعلم.

- وثانيهما: بدعة قديمة تلبس بها الثوري -حين قدم "عليا" رضي الله عنه- ثم تاب وراجع الحق.
* والسؤال هنا هل غيرت (البدعة القديمة للثوري) شيئا من الموقف الشرعي الإجماعي تجاه بدعة وضلالة تقديم "علي" على كافة الصحابة رضي الله عنهم؟!

- وحين علم أئمة السلف بذلك عن "الثوري" ورووه ونقلوه لنا؛

* هل غير وبدل أئمة السلف -ومنهم الثوري- قاعدة تبديع وتضليل جميع أعيان -دون استثناء- من قدم "عليا" على كافة الصحابة رضي الله عنهم ولاسيما من بلغته النصوص؟!

وهذا فهم السلف ونهجهم وتعاملهم -مع تلك البدع القديمة- ظاهر بين في آثارهم القولية والعملية التطبيقية، ونحن لهم تبع في فهمهم ومنهاجهم.

* فمن سلف أهل التجهم العاذرية؟!
لن يجدوا لهم من القرون المفضلة سلفا ولذا سيرحلون لشيخ العاذرية في القرن الثامن "ابن تيمية".

- ونحن أهل السنة نطالب المرجئة الجهمية -بأثر واحد فقط قولي أو عملي صريح- يستني من قدم "عليا" من التضليل لأجل علمه أو تأويله أو شبهته أو تقليده ولاسيما من بلغته النصوص والادلة.

* وهل جاء عن أحد السلف اشتراط البيان قبل التضليل في هذه البدعة لمن بلغته النصوص لأن "سفيان" قد تلبس بها قديما؟!

* ومن من السلف في قرونهم المفضلة أصل وقعد من هذه الحوادث والوقائع إعذار العلماء الذين بلغتهم النصوص إن وقعوا في كبار الضلالات؟!

بل من فقه الشريعة علم أن إثم العالم ووزره أعظم وضلاله أظهر وألزم إن واقع كبار البدع والضلالات لأن حجة الله عليه أكمل وأتم بما آتاه الله من علم.

- وأما من أشربت قلوبهم الإرجاء والتجهم فالعالم معذور بعلمه حتى لو تلبس بكبار الكفريات المجمع عليها، ولذا تجد شيخ العاذرية "ابن تيمية" يقعد ويؤصل لذلك قولا وتنظيرا وكذلك عملا وتطبيقا حين صنف "ابن حزم" ضمن غلاة الجهمية في الطبقة الثالثة في "درء التعارض" ولكنه مع ذلك يثني عليه كما أثنى على علماء "الأشاعرة" مع علمه بتجهمهم لأن منهج "ابن تيمية" العملي التطبيقي يصح أن يجتمع في المكلف وصف التجهم ووصف الإسلام والتوحيد مع أن التجهم بإجماع السلف لا يجتمع مع الإسلام والتوحيد ولا سيما في قلوب العلماء الذين بلغتهم صريح النصوص!

- والمقصود أن العلم وبلوغ صريح النصوص حجة على العالم و سبب لتضليل الأعيان ابتداء دون بيان عند السلف إجماعا ولاسيما في كبار الضلالات، فجاء الخلوف من القرن الثامن من المرجئة الجهمية من أدعياء السنة ونكسوا الأمر وقلبوه بجعلهم العلم وبلوغ صريح النصوص ليس حجة على العالم بل غنما وعذرا ومانعا له من تضليله وتبديعه (بعينه) فضلا عن تكفيره لما تلبس به من كبار الكفريات.

ومن عذر مشركي الربوبية من "القلندرية" وعذر أعيان زنادقة "الحلولية" لا يتعجب من ثنائه على "ابن حزم" الجهمي وثنائه على "الأشاعرة" الجهمية.

- ونعود لمسألتنا وتقديم أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما- من المسائل الكبرى ولا يخفى تقديمهما وتفضيلهما إلا على ضال معرض ولا عذر بالإعراض لأن أدلة تفضيلهما وتقديمها ظاهرة جلية لا تخفى إلا على من أعمى الله بصيرته.

* ألا تكفي دلالة أن من زكاهم الله في كتابه ورسوله في سنته من الصحابة الأبرار فضلوهما وقدموهما؟!

* وبعد ذلك أين التغيير المدعى في منهج السلف جراء هذه البدع القديمة من بعضهم؟!

وهذه آثار السلف القولية والعملية التطبيقية بين أيدينا ونحن بحمد الله لها تبع.

* فأين التغيير المزعوم الذي لا وجود له إلا في تلك الخيالات والأوهام الإرجائية؟! 

- بحمد الله ومنته فدين الله أعظم وأقدس من أن تحرفه مثل هذه الوقائع والحوادث، ومنهج السلف وعقيدة التوحيد في قلوب أهل التوحيد والسنة أرسخ وأعمق من أن تزعزعها مثل هذه الشبهات الغوية المتمكنة من قلوب الخوالف من أدعياء التوحيد والسنة ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، فأهل التوحيد والسنة بفضل الله ومنته على الجادة حين تابعوا سلفهم في القرون المفضلة حين لازالوا على اعتقاد تضليل كل معين -دون استثناء كائنا من كان- فضل "عليا" وقدمه على الصحابة -رضي الله عنهم- جميعا ولا سيما بعد التمكن من النصوص وبلوغها.

- وإذا كان الإمام "نعيم بن حماد" والإمام "الثوري" والإمام "ابن الماجشون" وغيرهم رحمهم الله جميعا كانوا في سالف أزمانهم من أهل البدعة ثم رجعوا وأصبحوا بفضل الله ومنته من علماء السنة؛

* فما التغيير والتأصيل المستحدث الذي يريده أهل الإرجاء والتجهم من مثل ذلك؟!

* هل يريدون منا أن نصادم وننقض صريح إجماع السلف ونصف الإمام "نعيم بن حماد" حين كان جهميا بأنه كان في ذلك الحين مع تجهمه سنيا سلفيا على الجادة؟!

* أليس السلف قد نقلوا لنا وصفه بالتجهم حين ذاك؟!

* وهل يراد منا أن نصف الإمامين "ابن الماجشون" و"الثوري" في مرحلتهم الأولى بأنهما من أهل السنة آنذاك؟!

واعلم أخي السني أن هذه المخالفات القديمة عن بعض آحاد السلف لم يكن فيها أي لبس أو إشكال بالنسبة للسلف لأن قلوب أئمة السلف خلية من الريبة والبدعة والضلالة وإنما الإشكال طرأ لدى الخلوف من مقدمي المتشابه على المحكم والمحتمل على الواضح ومقدمي شذوذات الحوادث وأفراد الوقائع على الإجماعات الصريحة البينة وهذه هي حقيقة ولب منهج المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة.

جـ/- وهذا الإمام "نعيم بن حماد" شيخ الإمام البخاري -رحمهما الله- قد كان في بدو أمره جهميا ثم تاب ورجع وأصبح من علماء السنة والأئمة من السلف نقلوا هذا عنه.

* فهل فهموا من ذلك ما فهمه الخلوف من أفراخ الجهمية؟

* وهل أصلوا وقعدوا -من تلبسه بتلك البدعة القديمة- أن بعض الأعيان ممن بلغته الأدلة يعذر ولا يحكم عليه ابتداء إلا بعد البيان في كبار الضلالات لأجل علمه أو تأويله وشبهته أو تقليده؟

* وهل اشترطوا له البيان مع علمه كما اشترطوا البيان للعاذر الجاهل -في تلك المسألة المخصوصة وأمثالها تحديدا-؟!

- بل أجمع السلف -ومنهم الإمام "نعيم بن حماد"- على تضليل أعيان من وقع في كبار الضلالات من المنسوبين للعلم وهذه آثارهم القولية والعملية التطبيقية بين أيدينا.

وقولنا هذا ليس فيه إذراء بهؤلاء الأئمة فقد قلنا وكررنا أن هذا وقع منهم قديما في بدو شبابهم ثم رجعوا عن ذلك وأصبحوا من علماء السنة، وهذا لا يعيبهم ولله الحمد كما أن الصحابة أئمة أهل الهدى من السلف كانوا على الشرك ثم استنقذهم الله بنبيه صلى الله عليه وسلم.
* فكان ماذا؟! 

- والمقصود أن توبتهم وتراجعهم تنفي عيبهم بسابق عهدهم.

د/- وبعد ذلك جاء الإمام أحمد -رحمه الله- الذي ثبت عنه بصريح قوله أن من لم يكفر (عاذر) من قال "بخلق القرآن" فهو كافر وأيضا فأحمد في أوائل المندرجين المجمعين على تكفير من شك وتردد في تكفير من قال "بخلق القرآن".

وهذا الذي عليه عمل السلف وتطبيقيهم وصريح أقوالهم ومن بينهم الإمام "أحمد".

* فهل نترك هذا الإجماع الصريح بتكفير "العاذر" في هذه المسألة وقد نقل هذا الإجماع السلفي -المندرج فيه أحمد- خمسة من الأئمة (أبو زرعة، أبو حاتم، حرب الكرماني، ابن بطة العكبري، اللالكائي)؟!

- وقد ثبت هذا التكفير للعاذر من قول أكثر من ثمانية من الأئمة (ومنهم أيضا أحمد بن حنبل).

 * فهل نترك هذا الإجماع الصريح الذى لا يحتمل اللبس ونتعلق بقول قديم -متراجع عنه- للإمام أحمد في بدو أمره ومراحله الأولى حين كان مترددا في التكفير ولم يكفر من قال "بخلق القرآن"؟

- وسنبين في المحور التالي بإذن الله بأن الشرط لم يتحقق ولم يكتمل في الإمام أحمد حين كان لا يكفر الجهمية الخلقية، وجاء الأئمة في زمن "أحمد" ومن بعده فعلموا بتلك الحادثة عن أحمد في بدو أمره والبعض رواها ونقلها كالإمام "الخلال" وغيره.

* فهل فهم منها السلف والأئمة ما فهمه العاذرية المرجئة الجهمية هؤلاء؟!

* ومن من الأئمة من السلف أو ممن بعدهم إلى منتصف القرن الرابع الذي انتهى به عصر أغلب كبار الأئمة الحفاظ؛ أقول من منهم أخذ من هذه الواقعة القديمة لأحمد عدم تكفير -بعض أعيان العلماء العاذرية- وطلاب العلم المتمكنين العاذرية في هذه الكفريات الكبرى؟!

ونقول للمرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد اذكروا لنا واحدا من الأئمة المتقدمين إلى منتصف القرن الرابع (واحداً فقط) قال باشتراط البيان للعالم وطالب العلم المتمكن قبل التكفير في هذه المسائل الكبرى بناء على هذه المخالفة القديمة -المتراجع عنها- "لأحمد"، لن يجد المرجئة الجهمية شيئا من ذلك ولله الحمد.

- فالإجماع ولله الحمد من أقوال السلف الصريحة البينة والإجماع من عملهم وتطبيقهم شاهد على تنزيل التكفير (ابتداء قبل البيان) على أعيان العاذرية في مثل هذه المسألة الكبرى ولم يستثنوا إلا الجاهل "ضعيف الفهم" والإدراك كجهال العوام الغافلين فهؤلاء يشترط في حقهم البيان قبل تنزيل الحكم في مثل ونحو هذه المسألة -الملتبسة بالنسبة لهم- تحديدا دون غيرها مما هو أعظم وأظهر وأوضح منها، وقد أوضحنا ضوابط هذا الاستثناء وحدوده سابقاً.

5/- بيان أن ما وقع للإمام "أحمد" قديما (من عدم تكفير من قال "بخلق القرآن") كان في مرحلة لم يتحقق فيها الشرط فيه بدلائل سنبينها بإذن الله في هذا المحور كالتالي:

- أولا: من كان من العاذرية في مثل هذه المسألة تحديدا دون التجاوز لما هو أعظم وأظهر منه؛ أقول من كان منهم في حالة (جامعة لهذه الأوصاف التالية) فلا شك بأنه أشبه بالعامة الجهال ويأخذ حكمهم في إعذارهم ابتداء واشتراط البيان لهم قبل تنزيل التكفير على أعيانهم.

وهذه الأوصاف المجتمعة التى تلحقه بهم:
* أن يكون صغيرا.
* وفي بدايات طلبه للعلم قبل أن يتحقق فيه وصف طالب العلم المتمكن.
* مع جهله لأكثر النصوص و الآثار.
* وجهله لأكثر أقوال الأئمة وأهل العلم وتفاسيرهم.
* وجهله لأكثر المسائل ومراتبها وأنواعها.

والإمام "أحمد" رحمه الله قد قال عن نفسه أنه لم يبتدئ طلب العلم إلا في السنة السادسة عشر من عمره، فالإمام "أحمد" رحمه الله قد قال بتلك المقالة وهو في هذه الحالة قطعا وسنثبت ذلك بإذن الله.

- ثانيا: بيان كذب من ادعى أن الإمام "أحمد" قد قال بعدم التكفير للجهمية الخلقية بعد أن تجاوز عمره الرابعة والخمسين أي زمن الفتنة التي ابتدأت في سنة 218هـ في عهد "المأمون" الجهمي لأنه ابتدأها قبيل هلاكه بسنة تقريبا، ودعوى أن "أحمد" لم يكفرهم آنذاك وقال تلك المقالة لا دليل عليه بل هو محض الاختلاق والكذب بلا برهان لأمور منها:

1- عدم وجود الدليل على ذلك وعدم وجود القرائن المؤكدة التي تدل على هذه الفرية، بل كل الدلائل تخالف ذلك كما سيأتي.

2- ابتدأت فتنة "المأمون" الجهمي عام 218هـ وكان الإمام "أحمد" قد تجاوز الرابعة والخمسين من عمره وأقوال الأئمة وتصريحهم بكفر من قال "بخلق القرآن" مشهور مذاع معلوم قبل الفتنة بأزمان وسنين مديدة ولا أدل على ذلك من شهرة هذا القول بالتكفير في أربعة طبقات للأئمة والعلماء قبل زمن الفتنة أي قبل سنة 218هـ فقد اشتهر وذاع القول بالتكفير لمن قال "بخلق القرآن" في:

أ/- طبقة شيوخ شيوخ أحمد "كالثوري" و"ابن المبارك" وغيرهم كثير. 

ب/- وانتشر القول بالتكفير فى طبقة شيوخ وأساتذة ومعلمي "أحمد" وذاع بينهم "كابن عيينة" و"يزيد بن هارون" و"الشافعي" و"وكيع بن الجراح" و"هاشم بن القاسم الليثي" و"أبو بكر بن عياش" و"عاصم بن علي بن عاصم الواسطي" و"حفص بن غياث" و"الحجاج بن محمد المصيصي" و"محمد بن يوسف الفريابي" و"معاذ بن معاذ العنبري" و"يحيى بن سعيد القطان" و"عفان بن مسلم الصفار" و"عبد الرحمن بن مهدي" و"القاضي أبو يوسف" و"علي بن عاصم بن صهيب" و"محمد بن مقاتل الكسائي" و"عبد الله بن إدريس الأودي" و"عبيد الله بن عائشة" وغيرهم كثير.

- ومن شيوخه الذين كفروا الجهمية بصفة عامة "وهب بن جرير بن حازم الأسدي" و "بشر بن المفضل" وغيرهم كثير من شيوخ "أحمد" ممن كفروا من قال "بخلق القرآن" وقد نقل "البخاري" في خلق أفعال العباد ونقل أيضا في السنة "لعبد الله" و"الخلال" والإبانة "للعكبري" وكتب التراجم والسير تكفير هؤلاء الأئمة من شيوخ "أحمد" لمن قال "بخلق القرآن".

- وهذا على سبيل الاختصار ولو أردنا استقصاء تكفير شيوخ "أحمد" للجهمية الخلقية لطال بنا المقام وقد جاء عن شيخي أحمد "يزيد بن هارون" و"سفيان بن عيينة" تكفيرهم لمن شك وتردد ولم يكفر من قال "بخلق القرآن".

* فكيف لأحمد وهو التقي الورع أن يعرض عن هذا ولا يحتاط لنفسه سؤال هذين الإمامين عن سبب تكفير العاذر الذي لم يكفر؟

* وكيف يتقحم الإمام أحمد الكفر بعد أن سمع شيخيه يقولان ذلك؟

وهذا صريح الدلالة أن قول "أحمد" كان في مرحلة متقدمة في صغره وبدو طلبه حين لم يسمع بتكفير الجهمية الخلقية ولم يسمع بتكفير عاذريهم.

جـ/- وأيضا قد اشتهر القول بتكفير من قال "بخلق القرآن" في طبقة أقران وأصحاب "أحمد" وهؤلاء الأئمة لا يحصون كثرة.

د/- وأيضا قد اشتهر القول بالتكفير في طبقة تلاميذ "أحمد" وتلاميذ أقرانه وهؤلاء التلاميذ قد بلغوا درجة الإمامة في العلم قبيل زمن الفتنة.

وبعد ثبوت انتشار التكفير في هذه الطبقات الأربع؛
* أفيعقل أن الإمام "أحمد" الذي شهد له بالإمامة والعلم وفهم السنة وهو في الثلاثين من عمره أن يتجاوز الرابعة والخمسين من عمره وهو يجهل تكفير من قال "بخلق القرآن"؟!

- مع أن تكفيرهم قد أطبق عليه الأئمة واشتهر وذاع ذلك في أربعة طبقات متتالية؛ شيوخ شيوخه ومن فوقهم، شيوخه وأساتذته ومعلميه، أقرانه، تلاميذهم. 

هذا يدل دلالة صريحة على أن تردد "أحمد" في تكفير الجهمية الخلقية كان مبكرا جدا في حداثة سنه وصغره.

- ثالثا: معرفة الإمام "أحمد" في تلك المرحلة الأولى من بدايات طلبه للعلم لدلالة الآيات القرآنية بعد تدبره لها ثم تكفيره للجهمية الخلقية بعد ذلك لا يدل أنه قد بلغ مبلغ طالب العلم المتمكن فضلا عن درجة العالم وذلك لأن الله أمر أجهل الناس من المشركين الأميين بتدبر القرآن والله لا يأمر بغير الممكن ومسائل التوحيد بل حتى ما دونها أيضا من المسائل الكبرى دون التوحيد ظاهرة بينة في القرآن لمن تدبره وتأمله، وهناك من جهال وعوام "الرافضة" من اهتدى لتدبره للقرآن وكذلك بعض جهال "الصوفية" وهناك من جهال الكفار المشركين من اهتدى لتدبره للقرآن حين سماعه أو قراءته له.

- وعلى ذلك فما تدبره الإمام "أحمد" وفهمه من الآيات ظاهر بين لا يحتاج لطالب علم متمكن لفهم ذلك لأن قول الله تعالى في البقرة ﴿بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ﴾ وآل عمران ﴿مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وفي النساء ﴿بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ ۖ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ۖ ِ﴾ وهذه آيات صريحة بينة حتى لأجهل الناس إذا تدبر الآيات بأن ما أنزله الله من القرآن الذي هو "كلام الله" الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أنه من "علم الله".

وهذا ظاهر جلي لمن تدبر الآيات فلا يلزم من كون "أحمد" فهم ذلك الأمر البين الظاهر الجلي الواضح أنه قد بلغ مبلغ طالب العلم المتمكن فضلا عن كونه قد بلغ مبلغ العلماء، فعلم الله المشار له في الآيات الذي أنزله على نبيه هو القرآن "كلام الله" والمقصود أن القرآن من "علم الله" المنزل على نبيه، وهذا مدرك معلوم لمن تدبر القرآن حتى من الأميين الجهال.

- رابعا: مما يشهد ويدلل أن تلك المرحلة للإمام "أحمد" كانت في حداثة وصغر سنه قبل أن يتحقق فيه (وصف طالب العلم المتمكن) أن الإمام "أحمد" كان يحتج ويستشهد بأقوال الأئمة في تكفير من قال "بخلق القرآن".

وهذا يدل صراحة على ما قلنا وأن ذلك بدر منه -حال صغره وحداثة سنه وبدو طلبه- قبل أن يسمع بأقوال الأئمة من شيوخه وشيوخ شيوخه بتكفير الجهمية الخلقية.

ومما يشهد لما قلناه من احتجاج "أحمد" واستشهاده بأقوال الأئمة على تكفير من قال "بخلق القرآن" التالي:

1)- ما جاء فى الخلال طبعة الفاروق الحديثة [جـ 2/ ص257 ـ 258] وما بعدها من رسالة الإمام "أحمد" والإمام "المروذي" إلى أحدهم وقد جاء فى رسالتهما التالي: « "وقد بين الله لنا أمرهم -أي أمر الجهمية- بأئمتنا الذين أدركناهم -وهؤلاء طبقة شيوخ أحمد- وبما نقل إلينا الثقات عمن مضى من سلفنا -وهؤلاء هم شيوخ شيوخه ومن فوقهم-"، ثم ذكر أسماء بعض الأئمة القائلين بكفر الجهمية الخلقية إلى أن قال الإمامان: "وخلق من خلق الله كثير ممن أكفرهم وضللهم فبين الله بهم.ُ."».

- وذكر [جـ 2/ ص 269] «"..في تكفير من مضى لهم -أي للجهمية الخلقية- بيان ذلك حتى تكلموا في استتابتهم وموارثتهم"؛ وفيما مضى احتجاج "أحمد" بتكفير من مضى من الأئمة لهؤلاء، وفي [صـ 270] ذكر أن أهل العلم الذين ذكرهم سابقا ممن كفروا الجهمية الخلقية ووصفهم؛ "لكنهم كانوا والله أعلم بالله وأشد في أمره في أن يشكوا فيما قد وضح لهم من الحق"».

* فكيف يقول "أحمد" هنا أن الله بين له بهم وكررها في موضعين وما وصف به حال أهل العلم ثم يدعي هؤلاء أن "أحمد" بلغه تكفير الأئمة من شيوخه ومن فوقهم لمن قال "بخلق القرآن"، فلو بلغ أحمد تكفير السلف لهم، فهل سيعرض أحمد عن أقوال السلف وتكفيرهم ولا يلتفت له ولا يعبأ به وهو من أشد الأئمة توصية بالأخذ بفهم السلف ومنهاجهم وذم من تنكب طريقهم، ثم كيف يبلغه تكفير السلف لهم ثم لا يستبين منهم ولا يستفسر ولا يسأل شيوخه عن سبب التكفير وكيف يعرض عن قول السلف ولا يلقي له بالا ثم يصر على عدم تكفير الجهمية حتى يستبين له تكفيرهم من القرآن؟!

فكيف يتوافق ذلك الإعراض المفترى على "أحمد" مع احتجاجه بفهم الأئمة وعلمهم في هذه الرسالة! وأيضا يظهر من قول أحمد فيها أن القول بالتكفير مشهور مذاع معلوم في طبقة شيوخه ومن فوقهم من الأئمة، وهذا يدل على أن الإمام "أحمد" حين لم يكفرهم كان ذلك قديما في صغره قبل أن يتحقق فيه وصف طالب العلم المتمكن آن ذاك حين كان يجهل أكثر النصوص والآثار وأقوال الأئمة.

2)- أن الإمام "أحمد" يعتقد أن الأخذ بأقوال الأئمة في هذه المسألة من الدين كما جاء في طبقات الحنابلة [1-460] عندما سئل عمن قال "أقف تورعا" أي لا أقول "غير مخلوق" فقال "ذاك شاك في الدين" ثم احتج بإجماع العلماء ثم قال: "هذا الدين الذي أدركت عليه الشيوخ".

وهذا صريح أن "أحمد" يجعل الأخد بأقوال الأئمة من شيوخه ومن فوقهم واتفاقهم من الدين ويسمي ذلك ديناً، وهذا يدل دلالة صريحة أنه حين لم يكفر الجهمية الخلقية كان صغيرا مبتدئا لم يسمع بأقوال الأئمة في ذلك على شهرتها وذيوعها وانتشارها آن ذاك.

3)- في الإبانة الكبرى تحقيق الحمدان [2/2200]، أن "أحمد" لما قيل له عن أحدهم أنه يقول القرآن "كلام الله" ولكنه يقف قال: "أخبره أن العلماء يقولون غير مخلوق فإن أبى فألحقه بهم"؛ وهنا احتج بأقوال الأئمة وجعل التضليل مترتبا على من رد أقوالهم.

وهذا صريح أن الجاهل يبين له وأن من البيان له أن يذكر له قول الأئمة، وهذا صريح أن ما قاله الإمام "أحمد" بعدم التكفير أنه كان صغيرا لم يعرف بعد أقوال الأئمة من شيوخه ومن فوقهم ولم يتحقق منه وصف طالب العلم المتمكن.

وأما هذه الرواية السابقة فهي مجملة غير مفصلة لعدم ذكر حال الرجل هل هو جاهل أو من المنسوبين للعلم والقطع بأنه من الجهال لما يلي:

- أولا: يجب حمل المجمل على المفصل؛ وقد جاء عن الإمام "أحمد" في السنة "لعبد الله" و"الخلال" تفصيله وبيانه الصريح بالتفريق بين الواقف واللفظي الجاهل فاشترط تعليمهم وأما أهل العلم وأهل الكلام فلم يذكر هذا القيد في حقهم وأطلق الحكم عليهم.

- ثانيا: ومما يدل أن هذا الرجل من الجهال موافقته لإجماع السلف -الذي نقله الرازيان- ومن بينهم "أحمد" على التفريق بين الجهال وغيرهم من المنسوبين للعلم في مثل مسألة العاذر الجاهل الذي لا يفهم وعدم تكفيره للجهمية الخلقية، ومثل هذا الجاهل الذي لا يفهم يبين له.

وهذا خاص بمثل هذه المسألة و أما العاذر لعباد القبور واليهود والنصارى وساب الله فالعاذر هنا لا يحتاج للبيان بل يكفر ابتداء حتى لو كان جاهلا عاميا لا يفهم لأن كفره متحقق بعدم تحقيقه لمعنى الشهادة وعدم الكفر بالطاغوت وتكذيبه ورده لصريح النصوص.

4)- أن "أحمد" قد عرف عنه واشتهر التقيد بأقوال الأئمة وفهمهم والتحذير من مخالفتهم فقد اشتهر عنه مقالات عديدة حول ذلك منها -كما في رواية الإصطخري- و مع ما قيل في رواية "الإصطخري" وما دار من جدل حول بعض ألفاظها إلا أن هذا المنقول منها لم ينازع فيه أحد وهذا موافق لأقوال أحمد وغيره من السلف، وقد جاء في رواية "الإصطخري" ما يلي:
«والدين إنَّما هو كتاب الله عزّ وجلّ وآثارٌ وسُنَنٌ ورواياتٌ صحاح عن الثقات بالأخبار الصحيحة القوية المعروفة المشهورة، يرويها الثقة الأول المعروف عن الثاني الثقةِ المعروف؛ يُصدّق بعضُهم بعضًا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو أصحابه رضي الله عنهم أو التابعين أو تابعي التابعين أو مَن بعدهم مِن الأئمة المعروفين المُقتدى بهم المتمسكين بالسُّنَّة والمتعلقين بالآثار الذين لا يُعرفون ببدعةٍ ولا يُطعنُ عليهم بكذبٍ ولا يُرمون بخلاف؛ وليسوا بأصحاب قياسٍ ولا رأي! لأنَّ القياس في الدين باطلٌ والرأي كذلك أبطل منه، وأصحاب الرأي والقياس في الدين مبتدعةٌ جهلةٌ ضُلّال، إلّا أنْ يكون في ذلك أثرٌ عمّن سلف مِن الأئمة الثقات، فالأخذ بالأثر أولى، ومَن زعم أنَّه لا يرى التقليد ولا يُقَلِّدُ دينَه أحدًا؛ فهو قول فاسق مبتدع عدو لله ولرسوله صلّى الله عليه وسلّم ولدينه ولكتابه ولسُنَّةِ نبيّه عليه الصّلاة والسّلام، إنَّما يريد بذلك إبطال الأثر وتعطيل العلم وإخفاء السُّنَّة والتفرد بالرأي والكلام والبدعة والخلاف، فعلى قائل هذا القول لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين، فهذا مِن أخبث قول المبتدعة وأقربها إلى الضلالة والردى، بل هو ضلالة، زعم أنَّ لا يرى التقليد! وقد قَلَّد دينَه أبا حنيفة وبشرًا المريسي وأصحابَه، فأيّ عدو لدين الله أعدى ممن يريد أنْ يُبْطِلَ السُّنَن ويبطل الآثارَ والروايات ويزعم أنَّه لا يرى التقليد؛ وقد قَلَّدَ دينَه مَن قد سميتُ لك وهم أئمة الضلال ورؤوس البدع وقادة المخالفين! فعلى قائل هذا القول غضبُ الله، فهذه الأقاويل التي وصفتُ مذاهبُ أهل السُّنَّة والجماعة والأثر وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السُّنَن، وكانوا أئمةً معروفين ثقات؛ أهل صدقٍ وأمانةٍ يُقتدى بهم ويُؤخذ عنهم، ولم يكونوا أهل بدعةٍ ولا خلافٍ ولا تخليط! وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم، فتمسكوا بذلك رحمكم الله، وتعلّموه وعَلِّمُوه وبالله التوفيق».


 وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين. 



نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *