شرعية التعويض والعقوبة "للأذى المعنوي" في غير الحدود.

 
 
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 
- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
 
لكل شيء سببا ومن أسباب استحكام غربة الدين وتحريفه في قلوب وعقول المنتسبين للإسلام، الكلام في دين الله بالرأي وعدم بذل الوسع في التتبع والاستقراء لاستنباط المسائل من كتب ودواين الحديث والآثار والتقيد بما في بعض كتب الفقه المذهبي، ومن أسباب غربة الدين تتابع التقليد بغير حجة ومجاراة المتنفذين في أهوائهم وعدم الجرأة في مخالفة ما ألفه واعتاده وسلم به أهل الشهرة من أدعياء العلم والقضاء، ومن ذلك التسليم بدعوى أن الشريعة لا تقر التعويض والعقوبة للأذى المعنوي في غير الحدود، وتم تشويه كمال الشريعة بهذا الرأي المنحرف وبه تطاول الزنادقة على الشريعة وقضائها وكمالها وحفظها للحقوق.
 
- ومثال ذلك أن يتسلط مسؤول متنفذ في شركة أو غيرها بفصل موظف بغير وجه حق فيمكث الموظف أشهرا وسنينا يحاول العودة لعمله وسبب رزقه فيكتفى بإعادة وظيفته ورواتبه السابقة دون تعويضه على ذلك الضرر النفسي والاجتماعي والظلم الذي لحقه، ولا يلزم من ظلمه بدفع تعويض له عن ذلك ولا يعاقب عقوبة رادعه، ومثل ذلك منع حقك المالي أو غيره بغير تأويل وحجة معتبرة ومع هذا الظلم الظاهر يكاد يجمع قضاة وعلماء الجهمية من أدعياء السنة على أن الشريعة لم توجب عقوبة وتعويضا لهذا "الضرر المعنوي" الذي أصابه وهذا الظلم الذي لحق به.
 
وهذا كذب وجهل وتحريف.
 
والتعويض والعقوبة على "الأذى المعنوي" في غير الحدود ثابتة بالتالي:
 
1)- بالنصوص الشرعية الصريحة التي تدل تنصيصا على ذلك كما ستراه خلال هذه المقالة -بإذن الله- ومن منع حقا ماليا أو غيره لحجة محتملة معتبرة وشبهة لها حظها من النظر فلا يدخل في هذه المسألة التعزيزية ولا دلالة في النصوص التي تذكر مثل ذلك على إبطال هذه المسألة التعزيرية.
 
2)- دخول ذلك دخولا أوليا في باب التعزير الذي نصت عليه صريح الأدلة والآثار لأمور منها:
 
أ/- عدم وجود دليل على منع العقوبة والتعويض "التعزيري" لهذا النوع من الظلم.
 
ب/- إذا كان التعزير في غير الحدود جاء النص كما في الصحيحين وغيرها بعدم تجاوز العشر جلدات، ومع ذلك فقد ثبت عن النبي ﷺ الزيادة على هذه العقوبة التعزيرية في بعض الحالات حسما وقطعا وزجرا لبعض المنكرات كما في حديث "قتل مفرق الجماعة" وغيره وثبتت الزيادة في العقوبة التعزيرية من فعل "عمر" بإقرار الصحابة -رضي الله عنهم- أجمعين.
 
وهذا كله يدل على أن العقوبة التعزيرية والتعويض التعزيري للأذى المعنوي يدخل في باب التعزير دخولا أوليا.
 
ج/- عدم تحقق العدل وقمع الظلم والظلمة إلا بهذا التعزير الجامع للعقوبة الرادعة والتعويض المجزي.
 
وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
 
د/- لا يمكن كف صولة المسؤولين والمتنفذين إلا بتلك العقوبة التعزيرية التي دلت عليها النصوص من العقوبة والتعويض المجزي.
 
3)- دخول وتوافق تلك العقوبة والتعويض التعزيري مع مقاصد وعمومات الشريعة.
 
4)- ويدخل دخولا أوليا في باب وجوب زجر الناس عن الظلم وتحقيق العدالة الذي يجب تطبيقه وإعماله في الحكم بشريعة الإسلام سياسة وحكما وقضاء وزجرا وتأديبا (وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ووجوب درء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وسبل تحقيقها.
 
وتقرير ثبوت التعويض والعقوبة في الحكم بشريعة الإسلام قضاء وحكما وسياسة للدنيا بالدين تقوم مبانيها وتفاصيلها على الأخذ:
 
← بأفراد النصوص والآثار الخاصة والقياس الصحيح عليها.
 
← الأخذ بدلالات عمومات النصوص.
 
← الأخذ والعمل (تطبيقا وتدبيرا وتقنينا وواقعا ورقابة وعقوبة) بقاعدة "مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب".
 
تحقيق مقاصد الشريعة بتحقيق:
 
-> أسباب العدالة للفرد والمجتمع.
 
-> وجلب المصالح ودرء المفاسد وتقليلها.
 
-> منع أسباب الظلم واستغلال النفوذ والسلطة.
 
-> الرقابة العلنية والسرية على المنفذ والمراقب والمسؤول مع العقوبات الرادعة لنشر العدالة وقمع كل ظلم مادي حسي أو معنوي مباشر أو غير مباشر.
 
← إعمال الرقابة والعقوبة التعزيرية وللحاكم المسلم تقنين بعضها مع مراعاة قرائن الحال.
 
← ثبت في السنة ومنهاج الصحابة -رضي الله عنهم- تغليظ العقوبة الرادعة عند استهانة الناس وذيوع وانتشار المنكر أو الخوف من إسوة الشر وتكرار المنكر.
 
”ونظرا لفساد حكام وقضاة ومسؤولي آخر الزمان وتضييع الأمانة، وبناء على ذلك ونظرا لانتشار الظلم واستغلال النفوذ وعدم تحرز الناس من ذلك وغياب الرقابة الحقيقية يجب التدقيق في إعمال الرقابة الفاعلة وتقنين العقوبات التعزيرية المغلظة الزاجرة مع اعتبار القرائن وإلزام الحكام والقضاة وكل من بيده العقوبة أن لا ينزل عن قدر معين من العقوبات الزاجرة، لكي لا يؤثر تساهل المقرر والمنفذ فتضيع العقوبات والتعزيرات المغلظة الزاجرة للظلم بأنواعه“
 
← عدم تأثير العقوبة على عائلة المعاقب وسبب رزقهم وإعالتهم (كما هو الحال في جميع الأنظمة الطاغوتية) وإذا كانت الحدود في "عهد الراشدين" لم تؤثر على العطاء على ذوي المحدود ومن يعول، فكيف بالتعزيرات.
 
والأدلة الخاصة المقررة لثبوت التعويض والعقوبة على الأذى والظلم المعنوي في غير الحدود فيها الصحيح والحسن والضعيف، وضعف بعضها لا يبطل الاستدلال به كما هو منهج المتأخرين، ومنهج السلف والأئمة المتقدمين قائم على:
 
أ/- الاحتجاج بالضعيف إذا صح معناه بموافقة دلالة غيره من النصوص ولموافقته مقاصد الشريعة وعمومات النصوص وعدم معارضة غيره له.
 
ب/- وإذا لم يوجد في الباب غيره فيؤخذ به ويستشهد به إذا تحقق ما سبق ولاسيما إن لم يكن شديد الضعف وتعددت طرقه.
 
ج/- تقديم الضعيف على الرأي.
 
قصر ذلك على أحاديث الفضائل فقط مخالف لتطبيق الأئمة بل يؤخذ ويستشهد بالضعيف في العقائد و الأحكام بالضوابط السابقة.
 
وما تقدم بيانه مأخوذ من:
 
1)- قول الإمام أحمد "الضعيف أحب إلي من الرأي" وأخذه بالضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وتوجيه وتفسير "ابن تيمية" الجهمي لكلامه بأنه يقصد الحسن لا الضعيف غير صحيح؛ لقول أحمد -رحمه الله- في أحاديث (تسمية الوضوء) وأخذه بمدلولها وغير ذلك.
 
2)- وحتى البخاري القائل "في الصحيح غنية عن الضعيف" لا يعني بكلامه ما فهمه المتأخرون من المنتسبين لعلم الحديث حيث اطرحوا الضعيف جملة وتفصيلا لأن البخاري قد استشهد بالضعيف في معلقاته غير المجزومة واستشهد بأحاديث وآثار ضعيفة السند في "خلق أفعال العباد" و"الأدب المفرد".
 
3)- والترمذي قد امتلأ جامعه بالاستشهاد بالضعيف في الأحكام ويقول "عليه العمل".
 
4)- وقبلهم مالك في بعض بلاغاته والشافعي كذلك حين أخذ (بأحاديث المياه) وضعفه ولكنه قال "عليه العمل".
 
5)- وكذلك ترى ذلك في صنيع عبدالله بن أحمد والخلال وابن بطة والآجري والمروزي في السنة واللالكائي وغيرهم.
 
6)- والطبري يقول عن رد الحديث (المرسل) وعدم اعتباره "بدعة حدثت بعد المائتين" ومقصوده الرد التام جملة وتفصيلا، وحتى المرسل الذي نضعفه يؤخذ به في الترجيح في بعض الأحوال بضوابط معلومة.
 
وإليك بعض هذه الأدلة:
 
أ/- ما رواه الطبراني والحاكم وابن حبان وغيرهم في قصة (زيد بن سعنة) اليهودي قبل إسلامه والشاهد منها ما روي من قول النبي ﷺ لعمر -رضي الله عنه- "زده مكان ما رعته" والترويع من "الأذى المعنوي" وتم تعويضه ماليا.
 
فإذا كان هذا مع اليهودي الذي عوض من باب الدعوة والتألف (لا من باب وجوب الحق له) فمن باب أولى وجوب تعويض المسلم المظلوم المستحق للتعويض وعقوبة من آذاه.
 
ب/- الزكاة حق للفقراء وتأخيرها عنهم يوجب التعزير بالغرامة المالية ومضاعفة ذلك.
 
وقد جاءت السنة بعقوبة من أخر الزكاة وأراد منعها "بأخذ شطر ماله".
 
ج/- وكتم وتأخير تسليم الضالة سواء كانت من الدراهم أو المواشي فيه ضرر معنوي ومادي والمادي ثبت رجوعه برد الضالة وبقي المعنوي؛وهذا قد حكم فيه الفاروق عمر -رضي الله عنه- (بضعف الغرم).
 
”وهذا يشبه من تضرر معنويا بمنعه من عمله وسبب رزقه بل هذا غالبا أشد تضررا ممن كتمت وأخرت ضالته، والتعويض هنا مالي وهو تعزير مناسب لحسم مادة الظلم والأذى، ومثل ذلك مضاعفة عمر -رضي الله عنه- الغرم لمن أجاع مماليكه فسرقوا“
 
د/- ما رواه أبو داود والبيهقي الجهمي من أمر النبي ﷺ للأنصاري بخلع نخلة سمرة التي دخلت وامتدت لحائط الأنصاري لتأذي الأنصاري من تكرار دخول سمرة لحائطه لأجل تلك النخلة ورفض "سمرة" لبيعها أو وهبها.
 
وهذا ضرر وأذى معنوي أوجب عقوبة تعزيزية مالية مقابل ذلك الأذى مع أن شبهة الحق ثابتة لملكه للنخلة.
 
* فإذا كان مثل هذا يوجب عقوبة التعزير، فكيف بمن آذى غيره دون أن يكون له أحقية الملك؟!
 
هـ/- ما روي في الموطأ وغيره من حكم عمر على محمد بن مسلمة -رضي الله عنهما- لما منع جاره "الضحاك" أن يمر الماء من أرض "محمد بن مسلمة" إلى أرضه؛ وهذا منع للأذى حتى بحجة التمسك بأحقية الملك والأمر بجريان الماء من أرضه عنوة فيه نوع عقوبة مالية باستخدام بعض ماله وهي الأرض لجريان الماء لجاره وفيه منع للأذى والضرر.
 
* فإذا كان هذا تم مع أحقية الملك، فكيف بمن آذى بغير حق وبغير شبهة الملك والاستحقاق؟!
 
وهذا أحق وأولى أن يؤخذ من ماله تعويضا للمتضرر.
 
”وهناك أدلة كثيرة لتقرير العقوبة المالية سواء كانت تعويضا لمتضرر أو تعزيرا عاما لمخالفة شرعية ولها علاقة بالتعزير بالتعويض المالي (كحديث سمرة السابق، وحديث تغريم مانع الزكاة مع -الخلاف في المسألة-، وتحريق عمر لحانوت بيع فيه الخمر، وحديث أبي داود في التغريم مرتين لمن سرق من الثمر المعلق قبل جمعه وحصاده، وتغريم الضعف لكاتم الضالة، وقصة تغريم عمر بالضعف لمن جوع مماليكه حتى سرقوا، وسكبه للبن المشوب، وتحريق علي لقرية يباع فيها الخمر -رضي الله عن الصحابة-)“
 
 
 وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين 
 
 
 

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *