الرد على شبهة الرجل الذي أمر أبناؤه أن يحرقوه.

 
 

 
 
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
 
- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ عَلَى أَشْرَفِ الْمُرْسَلِينَ، نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
 
▪ فهذا بيان مختصر للشبهة التي يحتج بها الجهمية على عذر المشركين بالجهل، وذلك في استدلالهم بهذا الحديث:
 
-> روى مسلم في صحيحه وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ، فَقَالَ : إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبَنِّي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا. قَالَ : فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ : أَدِّي مَا أَخَذْتِ. فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ ؟ فَقَالَ : خَشْيَتُكَ يَا رَبِّ. أَوْ قَالَ : مَخَافَتُكَ. فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ".
 
- وقد رد بعضهم على هذه الشبهة بردود متفاوتة، وأهم تلك الردود التي فاتتهم عدم التوضيح والتركيز على أهمِ رد وأبلغِه وأفضل توجيه وشرح لهذا الحديث.
 
وقبل الدخول في المقصود وجب التنبيه إلى أمر مهم؛ وهو أن اعتقاد أن الله يحيي الموتى ويعيدهم من أصل التوحيد، ولا يكون الرجل مؤمنا بأن الله على كل شيء قدير حتى يؤمن بهذا.
 
-> قال الله تعالى﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾{ الحديد |5}.
 
فالله سبحانه وتعالى حكم بكفرهم لما أنكروا أن الله سيجمعم بعد موتهم.
 
-> قال الله تعالى﴿ بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ ۞ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيد ٌ﴾{ق | 2-3}.
 
• وهذا أمر أقام الله الحجة فيه بما أودعه في فطَِر العباد، ويدل على ذلك الأمثلة العقلية التي ضربها الله في القرآن والاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها.
 
-> قال الله تعالى﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌٌ ۞ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ۞ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾{يس | 77-78-79}.
 
وغير ذلك من الآيات، من تدبرها فتح الله عليه في هذا الباب.
 
- والذي يشتمل على الرد على لفظة وردت في بعض الروايات مع شذوذها (لعلي أضل الله) وهي عند أحمد في مسنده.
 
والواجب أن يكون هذا الرد متصدرا للردود والنقاط لأنه أقوى من جميع ما ذكُر وأشملها للرد على جميع ما قد يفُهم من جميع الألفاظ والزيادات، ومن المناسب في عرض الردود في أي مسألة البدء بأقوى الردود وأشملها وأبعدِها عن الاعتراض، ولنبدأ الرد كالتالي:
 
1/- الرجل قد قال ذلك وهو في حالة ذهول لم يميز معه حقيقة ما يقول بسبب ثلاثة أمور:
 
الأول: لشدة خشيته وخوفه من الله لكثرة ذنوبه.
 
والثاني: لغلبة ظنه وشِبه يقينه بتعذيب الله له.
 
والثالث: لرهبة الموت الذي شعر بدنوِه منه مع عظيم جرمه.
 
وللموت رهبة عظيمة للصالح، فكيف بالمذنب المفرط.
 
- واجتماع هذه الأمور الثلاثة يحدِث من الخشية والرهبة والخوف ما يختلط معه العقل والفهم ويصُاب بالذهول والاضطراب وعدم التركيز، وقد اعتذر الرجل وعبر عن ذهوله بذكر سبب وعلةِ ذهوله وهي (شدة الخشية) كما اعتذر وعبر النبي ﷺ عن ذهول ذاك المسافر الذي وجد راحلته الضائعة بشدة الفرح (أخطأ من شدة الفرح) وذكر عذره بذكر سبب ذهوله وخطئه وهو شدة الفرح ولم يقل أخطأ لذهوله بل عبر بذكر سبب وعلةِ الذهول.
 
”ومن الجهل بالشريعة واللغة والعرف (نفي وجود الذهول) في هذا السياق لعدم ذكر لفظ الذهول تنصيصا، وفي الشريعة واللغة والعرف يذُكَر السبب الذي يفُهَم منه نتيجته ومآله وما وراءه كالتعبير عن وفاة أحدهم بذكر سبب الوفاة وهو القتل، قال الله تعالى﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًاٌ{النساء| 93}“
 
- كقولك هذا من أغرق فلانا أي تسبب في موته بإغراقه له، وإذا صح الاعتذار عن مقولة الذاهل بذكر شدةِ الفرح دون ذكر الذهول فكذلك يصح اعتذار الرجل الذاهل (الموصي بحرقه) بذكره لسبب وعلةِ الذهول وهي شدة ُالخشية دون ذكر لفظ الذهول.
 
• وهذا أبلغُ في العذر، وفي الحديثين تطابقا تاما من جهة ذكر علةِ وسبب الذهول والخطأ وهي شدة الخشية وشدة الفرح (دون ذكر لفظ الذهول ذاته) وهذا أبلغُ في العذر.
 
- والذهول والخطأ في اللفظ يحدث لثلاثة أسباب:
 
أ_لشدة الخشية والخوف.
 
ب_أو لشدة الفرح.
 
ج_أو لعموم السهو والغفلة.
 
- فإذا علمتَ ذلك فلا وجه لاعتراض الجاهل الجهمي حين أنكر ذهول هذا الرجل الذي حضره الموت لعدم ورود وذكر لفظ الذهول في اعتذار الموصي بحرقه، لأن هذا يلزم منه أن من قال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ" لشدة الفرح لم يكن ذاهلا بل كان حاضر العقل والتركيز.
 
لأن تعليل عذره في الحديث قد علق بخطئه لشدة الفرح ولم يذكر لفظ الذهول، ولا يمكن أن يقول ذلك إلا جاهل بليد الذهن لا يفقه الشريعة واللغة والعرف.
 
ويضاف للردود أيضا:
 
2/- أنه قد جاء عند ابن حبان في صحيحه (651) عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَال: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ كَانَ نَبَّاشًا، فقَالَ لِوَلَدِهِ: احْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي فَذُرُّونِي فِي الرِّيحِ، فَسُئِلَ: مَا صَنَعْتَ؟، قَالَ: مَخَافَتُكَ يَا رَبِّ، قَالَ: فَغَفَرَ لَهُ».
 
- وهنا احتمال معتبر يسقط استدلال الجهمية العاذرية، وهو لعل المقصود بفعله النجاة من عذاب القبر، لأنه قد رأى تفرق العظام في القبور لما كان ينبشها، وهناك بعض العامة من جهال المسلمين من ضِعاف الفهم يظن أن عذاب القبر متعلق بالدفن، وموضعه القبر فقط، ولا يحصل إلا بدخول الميت لقبره.
 
• وهذه مسألة لا يترتب على الجهل بها تكفير الجاهل ضعيف الفهم؛ فهذه مسألة خبرية محضة.
 
-> فقد روى البخاري (1049) وغيره عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "أَنَّ يَهُودِيَّةً جَاءَتْ تَسْأَلُهَا، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُعَذَّبُ النَّاسُ فِي قُبُورِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ".
 
3/- وَأخرج ابْن أبي حَاتمِ َعَن عَطِيةَّ بن قيس فيِ قوَْله ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِقاَلَ: نزلت فيِ الذَِّي قاَلَ : أحرقوني بالناَّر لعلَي أضل الله قاَلَ لنا بيِوَْم وَليَْلةَ بعد أنَ تكلم بِهَذاَ فقَبل الله مِنْه ذلَِك وَأدخْله الْجنةَّ.
 
فيحُمل هنا على أنه تاب من قوله فلذلك غفر الله له.
 
- وكل ذلك يقضي بوجوب توجيه الحديث وفهمه بما يتوافق مع أصول ومسلمَّات الشريعة من كفر من شك في علم الله وقدرته على إحياء الله له وبعثه بعد الموت.
 
4/- وعلى قول الجهمية العاذرية بشأن هذا الحديث، نقول: ظاهر الحديث أن هذا الرجل مسلم قد بلغته حجة أن الله عالم قادر على إحياء الخلق وبعثهم بعد موتهم، ثم شك في قدرة الله على بعثه وإحيائه بعد الموت بسبب الحرق، وهو مع إسلامه وبلوغ حجة البعث والنشور له لم يكفر ولم يخرج من الملة بمجرد ذلك.
 
- وعلى هذا الفهم والتأصيل الذي ادعوه المرجئة الجهمية من هذا الحديث، نقول لهم: على ضوء فهمكم فالمسلم الذي بلغه حجة قدرة الله على بعث خلقه وإحيائهم إذا حصلت له شبهة بشكه في قدرة الله على بعثه وإحيائه إذا حُلِل جسده بعد موته بطريقة فيزيائية كيميائية مزدوجة تحيل ذرات جسده تماما من أصل حالتها وتفنيها تماما حسب فهمه؛ فهذا الذي قامت عليه حجة الله بما بلغه من بعث الله لعباده يوم القيامة ونشورهم ثم شك في قدرة الله على بعثه وإحياء الله له (لأي سبب يعتبره الشاك وجيها) فعلى قاعدة المرجئة الجهمية لا يتُعجَّل بتكفير هذا الشاك في بعثه وإحياء الله له وهو لازال مسلما حتى لو قال ذلك.
 
ومن قال ذلك فقد كفر لعذره وعدم تكفيره لمن شك في قدرة الله لإحيائه بعض خلقه وبعثه لهم بعد موتهم (لأي سبب من الأسباب الوجيهة بالنسبة له) مع بلوغ حجة بعث الله لعباده يوم القيامة له، ويكفر أيضا لعدم صحة إيمانه بركن من أركان الإيمان وهو اليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور ومن أنكر أو شك في بعث بعض الخلق كمن أنكر أو شك في بعث كل الخلق، فكلاهما كافر، والكفر دركات.
 
”وقد زعم الجهمي (ابن تيمية) أن من جهل أو تأول في أفراد الصفة وجزئيتها فلا يكفر حتى ينكر كل الصفة!“
 
وهذا باطل.
 
-> فقد جاء في الصحيحين وغيرهما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ}. الْآيَةَ. قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفٍ، أَوْ: رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفٍ، وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ بَعْضَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ. فَأُنْزِلَتْ:{وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ}. الْآيَةَ.
 
وهؤلاء الكفار شكوا في فرد من أفراد الصفة وهو (سماع الله) لكل حديثهم فأكفرَهم الله لقولهم هذا.
 
- وما أجملَ ما ألزم به أحد الإخوة بعض المتعصبين (لابن تيمية) فقال لهم: على قولكم أن من جهل أو أنكر فردا من أفراد الصفة فلا يكفر، فما حكم رجل يقول: الله يراني في كل الأحوال إلا إذا دخلت تحت الغطاء فلا يراني؟
 
قلت: على قولهم أنه لا يكفر لأنه أثبت أصل الصفة (عندهم) وهو أن الله يرى العباد في كل حال.
 
- ولا فرق بين من عذر واحدا من منكري بعثهم بعد موتهم أو الشاكين فيه لسبب من الأسباب، أقول: لا فرق بين من عذر واحدا أو من عذر اثنين أو ثلاثة أو ألفا أو ألفين أو مليونين إذا فعلوا ذات السبب الذي ينجيهم من البعث جزما أو شكا.
 
وهذا كفر بيِن لم تتقبله قلوب هؤلاء إلا بعد تغلغل إرجاء الجهمية في قلوبهم نسأل الله السلامة والعافية.
 
- وأيضا يجب توضيح عدم صحة الاحتجاج (بابن قتيبة) لأنه قد قال بعد ذلك النقل المذكور في البحث ما يتطابق مع قول الجهمية العاذرية بشأن هذا الحديث وهو (عذر من شك في قدرة الله) على بعثه وإحيائه بعد الموت، ولو راجعت موضع النقل لوجدت كلامه الجهمي قاتله الله.
 
ومن المهم جدا بيان حاله كما يلي:
 
1/- ابن قتيبة لم يكن من أئمة الحديث والعلم في عصره بل كان جامعا لبعض علوم الشريعة واللغة والأدب والشعر.
 
2/- ليس من القرون الثلاثة بل من الجيل الرابع وحتى من كان من أحد الأجيال الثلاثة وتلبس بضلالة كبرى لا يعُد ممن اتبع الصحابة بإحسان ولا يعُد من السلف، وحقه التضليل والتبديع، وهذا ما فعله السلف مع بعض العلماء المتلبسِين ببعض كبار الضلالات ولاسيما بعد بلوغ النصوص.
- ولم يعُرَف عن أئمة السلف في الأجيال الثلاثة (وأئمة الرابع ملحَقين بهم) من استقر تلبسه بضلالة كبرى بعد بلوغ النصوص له.
 
3/- قد نقل في كتاب (عيون الأخبار) ما يغمز في بعض الصحابة -رضي الله عنهم- ولا نقر بنسبة كتاب (السياسة والملك) له، فالكتاب قد زُوِر عليه، ولكن ما أورده من غمز في (عيون الأخبار) وما قاله بشأن عذر من جهل قدرة الله على بعثه وإحيائه بعد الموت كاف لتضليله وعدم اعتبار قوله لأن الرجل الذي عذره بعد أن أثبت عليه شكه في قدرة الله على بعثه (مسلم قد بلغه أن الله يبعث الخلق لحسابهم ويحييهم بعد مماتهم، وهو بذلك قد بلغته الحجة الخبرية السمعية علاوةً على ما في فطرته من كمال قدرة الله وعلمه)
 
* فأي عذر لشاك في قدرة الله وعلم الله قبل بلوغ الخبر، فكيف بعد أن بلغه؟!
 
فمن عذر مثل هذا فهو ضال ولذلك فيجب أن يفُهَم حال الرجل بما يتوافق مع أصول ومسلمَّات الشريعة بكفر من شك في علم الله وقدرته على بعثه.
 
ونقول كذلك:
 
أ/- لا خلاف بين المسلمين بأن الشاك المُظهِر المصرِح بشكه ولاسيما في كبار مسائل التوحيد كالشاك في أصل صفات الله جل وعلا كافر ككفر المنكر ولا فرق بينهما إلا من جهة زيادة الكفر فالكفر دركات، وعليه فالشاك المظهر لشكه كافر مرتد بلا ريب.
 
- فمن شروط كلمة التوحيد اليقين، وهو أن تنطق بكلمة التوحيد على يقين من غير شك ولا ارتياب فيها، وكذلك أن تتيقن بكل ما أخبر به الله عز وجل، والشك في اليقينيات ردة عن الإسلام، فلو أن رجلا قال : لا أدري هل الجنة موجودة أم لا أو شك في وجود الملائكة، أو شك في نبوة النبي ﷺ كان كافرا بشكه لأنه لم يحقق شرط اليقين.
 
-> وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله- في الواقفة: «مَنْ شَكَّ فَقَدْ كَفَرَ» {الإبانة الكبرى |65}.
 
ب/- القرآن والسنة والإجماع يردون بدعة وضلالة المرجئة الجهمية من أدعياء التوحيد والسنة حين قالوا بأن الشك في أفراد وتفاصيل صفة من صفات الله ليس من الكفر الأكبر المخرج من الملة! وخصصوا الكفر الأكبر في ذلك بالإنكار أوالشك في أصل الصفة وعمومها دون من شك في بعض أفراد الصفة وتفاصيلها!
 
وسنورد من القرآن والسنة الإجماع ما يرد هذا التخرص والكذب والقول في دين الله بلا علم بل بالظن والهوى نصرة ًلما هم عليه من إرجاء الجهمية في حكمهم على الأعيان، وبيان ذلك كالتالي:
 
1)- جاء في الصحيحين وغيرهما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ}. الْآيَةَ. قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفٍ، أَوْ: رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفٍ، وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا؟ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ بَعْضَهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ. فَأُنْزِلَتْ: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ}. الْآيَةَ.
 
-> ثم قال الله تعالى بعدها﴿وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ ۞ فَإِن يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ﴾{فصلت| 23-24}.
 
وهذا العمل الكفري الذي علق عليه وعلى غيره الهلاك والخسران شك في أفراد الصفة وتفاصيلها وليس شكا في أصل وعموم الصفة، وجاء الشك في علم الله وسماعه إذا خفضوا أصواتهم، وصدق الإمام عامر الشعبي رحمه الله حين قال: «ما مِن بدعة إلا وفي القرآن ردُّهُّا».
 
”فالواجب علينا تدبر وتأمل القرآن والسنة وآثار القرون الثلاثة المفضلة وفهمهم وتطبيقهم للنصوص المتمثِل في أقوالهم وأفعالهم ومنهاجهم التطبيقي السلوكي وجعل ذلك ميزانا لكل مابعده، ومحاكمة تأصيلاتِ وتقعيداتِ المتأخرين من المنسوبين للسنة لها ولاسيما من القرن السابع إلى الآن وقد انتشرت وذاعت قواعد بدعية محرفة (نسُبتِ للسلف وأهل السنة والإجماع) زورا وبهتانا“
 
2)- قال الله تعالى﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾{البقرة| 85}.
 
فحكم الله بكفر من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر بآخر.
 
- والعبرة من هذا الجزء من الآية هو البعُد والحذر من تلك القاعدة والمنهجية الكفرية وهي (الإيمان بشيء والكفر بشيء) وقد نص الله بعدم انتفاعهم بإيمانهم بشيء من الدين حين كفروا بشيء آخر منه والعبرة بعموم اللفظ.
 
فمن أثبت قدرة الله أو خلقه أو علمه وأنكر أو شك مظهرا شكه في شيء من صفة القدرة أو صفة الخلق أو صفة العلم فهو كافر ولا ينفعه ما آمن به:
 
-> فلو أثبت العلم لله ولكنه شك مظهرا شكه في علم الله لما في باطن بعض الكهوف البحرية فقد كفر وارتد.
 
-> أو أقر بقدرة الله ولكنه شك (وأظهر شكه) في قدرة الله على جعل السموات والأرض في لحظة بحجم رأس إبرة فقد كفر وارتد.
 
-> ولو آمن بصفة الخلق وإعادة ما يفنى من الخلق ولكنه شك (وأظهر شكه) في قدرة الله أن يعيد خلق بعض الكائنات المجهرية وهو بذلك يكفر ويخرج من الإسلام.
 
- وهذه الفائدة والدلالة من الآية الكريمة صريحة جلية وليست داخلة في الخلاف في مسألة العبرة بعموم اللفظ وليس بخصوص السبب، لأن الخلاف لايشمل مثل هذه المسألة بل مناط تطبيق ذلك الخلاف في غير هذا.
 
وهذه بعض الآثار عن السلف في كفر من أنكر أمرا واحدا مما دل عليه الكتاب والسنة، وأنه كمن كفر بالكتاب كله، فمن أنكر فردا من أفراد الصفة كان كمن أنكر الصفة من أصلها:
 
-> وروى عبد الرزاق في مصنفه (15946) واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (379) عن ابْنِ مَسْعود قالَ: «مَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِهِ أَجْمَعَ».
 
-> وروى النسائي في الكبرى (7124) عَنِ ابْنِ عَباَّس، قاَلَ: «مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ».ورواه الحاكم في المستدرك (8069).
 
-> ورواه ابن حبان في صحيحه (4430) بلفظ: «مَنْ كَفَرَ بِالرَّجْمِ فَقَدْ كَفَرَ بِالرَّحْمَنِ».
 
-> وروى ابن بطة في الإبانة الكبرى (1703) عَنْ عَوْف، قاَلَ: سَمِعْت الْحَسَنَ، يقول: «إِنَّهُ مَنْ يَكْفُرُ بِالْقَدَرِ، فَقَدْ كَفَرَ بِالْإِسْلَامِ».
 
-> ورواه الفريابي في القدر (295) بلفظ: «مَنْ كَفَرَ بِالْقَدَرِ، فَقَدْ كَفَرَ بِالْإِسْلَامِ».
 
-> وقال أبَو طَالِب: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: "قَالَ لِي رَجُلٌ: لِمَ قُلْتَ: مَنْ كَفَرَ بِآيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَدْ كَفَرَ؟ هُوَ كَافِرٌ مِثْلُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، أَوْ كَافِرٌ بِنِعْمَةٍ، أَوْ كَافِرٍ بِمَقَالَتِهِ؟ قُلْتُ: لَا أَقُولُ هُوَ كَافِرٌ مِثْلُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ، وَلَكِنْ مِثْلُ الْمُرْتَدِّ، أَسْتَتِيبُهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قَتَلْتُهُ. قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ، مَا كَافِرٌ بِنِعْمَةٍ مَنْ كَفَرَ بِآيَةٍ فَقَدْ كَفَرَ، قُلْتُ: أَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ إِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ؟ قَالَ: نَعَمْ"{الإبانة الكبرى|301}.
 
-> وقد رُوِي عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاءَ بِثَلاثٍ وَكَتَمَ وَاحِدَةً فَقَدْ كَفَرَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ، وَإِيمَانٌ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ فَمَنْ جَاءَ بِثَلاثٍ وَكَتَمَ وَاحِدَةً كَفَرَ". {السنة للالكائي وغيره| 1109}.
 
- فتأمل قوله "وَأَنَّهُ مَبْعُوثٌ مِنْ بَعْدِ الْمَوْت" فجعل تركها مقارنا لترك شهادة أن لا إله إلا الله.
 
• وقولي هذا بسبب بعض من بلُينا بهم ممن يقُحِم فهمه السقيم للعلم ويجادل بجهل وبلادة وعناد ويردد ما لا يفقه معناه ومناط تنزيله وتطبيقه.
 
3)- قال في جامع بيان العلم وفضله (127) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِإِبْلِيسَ: يَا سَيِّدَنَا مَا لَنَا نَرَاكَ تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَالِمِ مَا لَا تَفْرَحُ بِمَوْتِ الْعَابِدِ؟ فَقَالَ: انْطَلِقُوا فَانْطَلَقُوا إِلَى عَابِدٍ قَائِمٍ يُصَلِّي فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ، فَانْصَرَفَ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ: أَتَرَوْنَهُ؟ كَفَرَ فِي سَاعَةٍ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى عَالِمٍ فِي حَلْقَةٍ يُضَاحِكُ أَصْحَابَهُ وَيُحَدِّثُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَسْأَلَكَ، فَقَالَ: سَلْ، فَقَالَ: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: يَقُولُ لِذَلِكَ إِذَا أَرَادَ: كُنْ فَيَكُونُ، قَالَ إِبْلِيسُ: أَتَرَوْنَ ذَلِكَ؟ لَا يَعْدُو نَفْسَهُ وَهَذَا يُفْسِدُ عَلَيَّ عَالَمًا كَثِيرًا".
 
- فهذا سؤال عن فرد وجزء من القدرة وليس عن أصل وعموم قدرة الله، قَاَلَ لهَ إبِْلِيس: هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي جَوْفِ بَيْضَةٍ؟ فقَاَلَ: لَا، فقَاَلَ: أَتَرَوْنَهُ؟ كَفَرَ فِي سَاعَةٍ".
 
وهذا مجرد توقف وشك في جزء من صفة القدرة وكمالها وشك في فرد منها وليس في أصلها وعمومها فكفره إبليس، ولكن أتباع إبليس من شياطين الإنس لا يكفرونه!
 
4)- قد انعقد صريح الإجماع بتكفير من لم يثبت بعض أفراد صفات الله وأفعاله (وحكم الشاك المظهر لشكه كحكم المنكر من جهة أصل الكفر لا دركاته) وذلك حين أجمع أهل السنة بأن من أقر وآمن بأن الله بعلمه ومشيئته وخلقه قد قدر الأقدار بصفة عامة وأنه عالم الغيب ولكنهم حين جاؤوا لأفراد وتفاصيل ما آمنوا به قالوا بأن الله لا يعلم ما يفعله المكلفَّ مستقبلا.
 
• فهؤلاء كفرهم أهل السنة إجماعا مع أن هذا النوع من القدرية لم ينُقلَ عنهم أحد ولم يثبت عنهم النفي العام لكل أقدار الله وتفاصيلها في الكون ولم يثبت عنهم نفي علم الله مطلقا.
 
- وكذلك من أثبت من القدرية صفة الخلق وعمومها ولكنه أنكر خلق الله للشر فهذا عين الكفر (والشاك المظهر لشكه كالمنكر في أصل الكفر لا دركاته).
 
-> قال الخَلَّالُ فِي "السُّنَّةِ" (900): أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَيْرَ، وَلَمْ يَخْلُقِ الشَّرَّ، وَيَقُولُونَ: الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ. فَقَالَ: «هَذَا كُفْرٌ، هَؤُلَاءِ قَدَرِيَّةٌ جَهْمِيَّةٌ، الْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرٌ عَلَى الْعِبَادِ»، قِيلَ لَهُ: اللَّهُ خَلَقَ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، اللَّهُ قَدَّرَهُ».
 
-> روى الفريابي في القدر (398) والآجري في الشريعة (539) وغيرهما عن أبي سِناَن قَالَ: اجْتَمَعَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ بِمَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ عَطَاءٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، مَا كُتُبٌ بَلَغَنِي أَنَّهَا كُتِبَتْ عَنْكَ فِي الْقَدَرِ، فَقَالَ وَهْبٌ: مَا كَتَبْتُ كُتُبًا وَلَا تَكَلَّمَتُ فِي الْقَدَرِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ وَهْبٌ: «قَرَأْتُ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْهَا نَيِّفٌ وَأَرْبَعُونَ ظَاهِرَةً فِي الْكَنَائِسِ، وَمِنْهَا نَيِّفٌ وَعِشْرُونَ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنَ النَّاسِ، فَوَجَدْتُ فِيهَا كُلَّهَا أَنَّ مَنْ وَكَلَ إِلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَشِيئَةَ، فَقَدْ كَفَرَ».
 
فهذا تكفير بفرد من أفراد الكفر، وهو من وكل إلى نفسه شيئا من المشيئة، وقوله "شيء" نكرة في سياق الإثبات فتعم كل شيء.
 
- فهؤلاء أنكروا جزءا من الصفة (خلق الشر) ولم ينكروا صفة الخلق كلها.
 
-> وقال عثمان بن سعيد الدارمي: «فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى مَخْلُوقَةٌ، أَوْ مُسْتَعَارَةٌ فَقَدْ كَفَرَ وَفَجَرَ».{النقض| 1/161}.
 
-> وقال: «وَإِلَّا فَمَنِ ادَّعَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَلِ خَلْقَ شَيْءٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَقَدْ كَفَرَ».{ النقض |1/230}.
 
قلت: فالتكفير بمجرد ادعاء أن الله لم يلِ خلق كل شيء ولم يشترط أن ينكر صفة الخلق من أصلها.
 
5)- من شك في بعض أفراد وتفاصيل صفات النبي ﷺ فهو كافر حتى لو أقر بأصل هذه الصفات وبعمومها، وإذا كان هذا في بعض صفات النبي ﷺ فالله من باب أولى، وبيان ذلك كالتالي:
 
- من أقر بصدق النبي ﷺ في كل ما أخبر به، وأيضا من أقر بأنه بلغ ما أمُر بتبليغه ولم يكتم منه شيئا ولكنه شك مظهرا شكه في كذب وعدم صدق النبي ﷺ في أمر واحد فقط، أو شك مظهرا شكه في أن النبي ﷺ بلغ كل ما أمره الله به إلا أمرا واحدا كتمه ولم يبلغه.
 
فهذا الشاك كافر مرتد ولا يغني عنه إيمانه وإقراره بإثبات أصل الصفة وعمومها في حق النبي ﷺ وحق الله أعظمُ وأولى.
 
6)- من بلغه العلم بالصلاة وكيفيتها وأقر بعبادة الصلاة بكل تفاصيلها ولكنه لم يقر بالسجود فقط ورأى أن فيه منقصة له، فهذا لا يصح إسلامه وإيمانه، وإذا كانت الصلاة عبادة فكذلك الإيمان بصفات الله عبادة وتوحيد (بل هو أعظم من الصلاة لأن دعوة الأنبياء اتفقت على إثبات التوحيد ومنه صفات الله واختلفت شرائعهم).
 
فمن أنكر أو شك مظهرا لشكه في بعض أفراد وتفاصيل هذه الصفة كالخلق أو العلم أو القدرة فهو كافر مرتد.
 
7)- قد صرح السلف -رحمهم الله- أن من قال أن قوله تعالى﴿ إنِنَّيِ أنَاَ اللهَّّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أنَاَ فاَعْبدْني..﴾ مخلوق فقد كفر، ولم يشترطوا أن يقول بخلق كل القرآن، كما جاء عن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- وغيره.
 
8)- أجمع السلف على أن القرآن غير مخلوق بجميع جهاته الخمسة (الملفوظ والمكتوب والمسموع والمحفوظ في الصدر والمنظور إليه) فمن زعم أن شيئا من هذا مخلوق جهموه ولم يشترطوا أن يقول أن القرآن مخلوق بجميع جهاته الخمسة.
 
9)- أجمع السلف أن الجعد بن درهم -لعنه الله- قال مقولة كفرية «أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلِم موسى تكليما».
 
* والسؤال هنا لهؤلاء العاذرية، ما حكم من قال أؤمن بالخلة لكن لا أدري هل الله اتخذ إبراهيم خليلا أم لا، وأؤمن بأن الله يتكلم لكن لا أدري هل كلم موسى أم لا؟
 
ويضاف أيضا للرد:
 
- أن كفر من شك في قدرة الله وشك في بعثه ونشوره بعد موته لا يقتصر على ما شاع في الردود بحصر وقصر كفره في باب واحد أو بابين بل هذا يكفر من ستة أبواب لتلبسه بست مكفِرات وهي كالتالي:
 
1_كفره بصفة القدرة وكمالها.
 
2_كفره ببعثه وإحياء الله له بعد موته.
 
وهذا كفر بركن من أركان الإيمان (ركن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور له ولغيره من الخلق).
 
- ويضاف من البحث ما قلناه من عدم التفريق بين من شك في بعث شخص واحد أو اثنين أو ألفين.
 
3_كفره لتلبسه بكفر التكذيب، وبيان ذلك كالتالي:
 
- بما أن الرجل (الذي يزعم بأنه شك في قدرة الله وشك في بعثه بعد موته) مسلم ويؤمن بشيئين هما:
 
أ/- صفة القدرة لله وأن الله رب قادر ومن قدرته بعثه لعموم خلقه يوم القيامة.
 
ب/- ويؤمن كذلك بركن الإيمان وهو عقيدة الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور له ولغيره من الخلق.
 
وهذا صريح ببلوغ العلم له بشأن هذين الأمرين اللذين آمن بهما.
 
▪ وهنا مسألة هامة جدا يجب استحضارها والتنبه لها وهي:
 
- لا يلزم في إثبات بلوغ العلم للمسلم الجاهل أن يحفظ تفاصيل أدلة ذلك، والدليل على هذا حكم النبي ﷺ والصحابة -رضي الله عنهم- وجميع السلف من بعدهم بإسلام الجاهل الأمي الأعرابي والأعجمي والمرأة الأمية الضعيفة والشيخ الهَرِم ممن دعَوه للإسلام فآمن وأقر والتزم بأركان الإسلام وأركان الإيمان، ولم يثبت عنهم اشتراط أن يحفظ أدلة ذلك لكي يحكموا له بالإسلام وبإيمانه بهذه الأركان، ولم يثبت أيضا اشتراط أن يذكر الداعية للمدعو النصوص من الكتاب والسنة، بل من دعوته لتوحيد الله وطاعته وطاعة نبيه ﷺ ونطق الشهادتين وآمن وأقر والتزم بما فرضه الله -عز وجل- وجاء به نبيه ﷺ من أركان الإسلام وأركان الإيمان فهو بذلك مسلم قد قامت عليه حجة بلوغ العلم في كل ما تقدم حتى لو لم يسمع الأدلة التفصيلية وحتى لو لم يحفظ شيئا منها، وحتى لو لم يسمع بشيء من القرآن والسنة من قبل دعوته لهما.
 
-> وبيان جعفر الإسلام للنجاشي -رضي الله عنهما- صريح بذلك.
 
-> وكذلك قول ربعي بن عامر -رضي الله عنه-.
 
-> ودعوة خالد وغيره من الصحابة -رضي الله عنهم- لبعض الكفار.
 
- وبذلك يثبت على وجه اليقين والجزم أن العلم والحجة بشأن الإيمان بأركان الإسلام والإيمان قد بلغت المسلم الجاهل الأمي الذي بلغته أركان الإسلام والإيمان فآمن وأقر والتزم بها وإن لم يحفظ تفاصيل أدلة ذلك، فالعلم قد بلغه بشأن ذلك.
 
وبناءً على تقرير ذلك فالمسلم المؤمن المقر بما تقدم إذا طرأ عليه الشك في بعث الله له لأي سبب من الأسباب (وصرح بذلك الشك) فقد كفر وارتد وخرج من الإسلام بتكذيبه لما بلغه من علم بركن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من بعث ونشور وإحياء بعد الموت له ولغيره من الخلق وهو فرد من ذلك الخلق.
 
- ويكفر أيضا بتكذيبه لما بلغه من علم بصفة "القدرة لله"، وأنه جل وعلا رب قادر وهو يعلم ويقر مُسبقَا أن مِن قدرة الله إعادة خلقه وإحيائهم بعد فنائهم وموتهم، فشكه في قدرة الله على بعثه وظنه أن الله لن يستطيع بعثه وظنه أن الله عاجز عن إعادته وبعثه إذا فعل ذلك السبب فهو بهذا قد كَفر كُفر تكذيب بعد تصديق.
 
4_يكفر أيضا من جهة ردِه لذلك العلم الذي بلغه، ومن رد شيئا من الشريعة ولو مسألة واحدةً فقط ولا سيما كبار مسائل التوحيد فهو كافر مرتد، لأن من شروط كلمة التوحيد القبَول المنافي للرد.
 
5_يكفر بصفة الخلق التي يتِصف بها الله جل وعلا، وذلك بكفره ببعض تفاصيلها ومفرداتها، لأن البعث للخلق خلق جديد لهم.
 
-> قال الله تعالى في سورة الإسراء قاصا قول الكافرين'﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ۞ قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا  ۞ أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا ۖ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾{الإسراء| 49-50-51}.
 
6_يكفر بكفر الإعراض، وبيان ذلك كالتالي:
 
- كل من بلغه علمُ مسألة كبرى ولا سيما من التوحيد المعلوم بالضرورة ثم أعرض عن ذلك الأصل اليقيني المتقرِر ثم شك بعد ذلك فقد أعرض عن ذلك الحق الذي بلغه، وهو بذلك قد وقع في كفر الإعراض.
 
”أكثر من شرح الحديث أو تكلم عنه قد صرفه من معنى شك الرجل في قدرة الله وشكه في بعثه بعد موته، ومع أن الحق هو ما وافق النصوص بفهم السلف في قرونهم الثلاثة حتى لو لم يقل به إلا القليل النادر فليست الكثرة حجة ًبمفردها على الحق ولكن لأن الجهمية قد كذبوا بقولهم بأن الأكثر قد فسرها بذاك المعنى المخالف لأصول الشريعة والمخالف لحقيقة مختلف روايات هذا الحديث“
 
 
 
 وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين 
 
 
 
 

نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *